وقوله تعالى: {تَحْمِلُهُ الْمْلائِكَةُ} [البقرة: 248]، اختلف أهل التفسير في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت، على قولين (?):
الأول: قيل: تحمله الملائكة بين السماء والأرض، حتى تضعه بين أظهرهم. قاله ابن عباس (?)، وابن زيد (?)، والسدي (?)، وقتادة (?).
الثاني: وقال آخرون: معنى ذلك: تسوق الملائكة الدواب التي تحمله. قاله الثوري (?)، وقتادة (?)، ووهب بن منبه (?).
والراجح هو القول الأول، لأن ظاهر اللفظ يدل عليه، إذ قال تعالى: {تَحْمِلُهُ الْمْلائِكَةُ}، ولو قال تأتي به الملائكة، لجاز القول الثاني، قال الطبري: "لأن " الحمل " المعروف، هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال " حمله " بمعنى معونته الحامل، وبأن حمله كان عن سببه فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه، في تعارف الناس إياه بينهم. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات، أولى من توجيهه إلى الأنكر، ما وُجد إلى ذلك سبيل" (?).
واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم على قولين (?):
الأول: قال ابن عباس (?)، ووهب بن منبه (?)، كان في أيدي العمالقة، غلبوا عليه بني إسرائيل.
الثاني: وقال قتادة (?)، والربيع (?): كان في بريّة التيه، خَلَّفَه هناك يوشع بن نون.
والراجح هو القول الاول، " وذلك أن الله تعالى ذكره قال مخبرا عن نبيه في ذلك الزمان قوله لقومه من بني إسرائيل: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت "، و " الألف واللام " لا تدخلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المتخاطبين به. وقد عرفه المخبر والمخبر. فقد علم بذلك أن معنى الكلام: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، الذي كنتم تستنصرون به، فيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتا من التوابيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك، لقيل: إن آية ملكه أن يأتيكم تابوت فيه سكينة من ربكم" (?).
قال الزمخشري: "وقرئ: {يحمله}، بالياء" (?).
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ} [البقرة: 248]، " أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أنّ الله اختاره ليكون ملكاً عليكم" (?).