قال الطبري: أي: " وقاتلوا أيها المؤمنون في دينية الذي هداكم، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم، الصادين عن سبيل ربكم، ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم، ولا تجبنوا عن حربهم، فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم، فتذلوا، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، الذين قصصت عليكم قصتهم، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم، وصرفتها عن حوبائهم، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني، فإن من حيي منكم فأنا أحييه، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله" (?).
قال المراغي: " لقتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمة الحق، وتأمين الدعوة، ونشر الدين، حتى لا يغلب أهله، ولا يصدهم صادّ عن إقامة شعائره، وتلقين أوامره، والدفاع عن بلاد الإسلام إذا همّ الطامع في اغتصابها والتمتع بخيراتها، وإرادة إذلالها، والعدوان على استقلالها، فهذا أمر لنا بأن نتحلّى بالشجاعة، ونلبس سرابيل القوة، ليخشى العدو بأسنا، ويرهب جانبنا، ونكون أعزاء ونحيا حياة سعيدة في دنيانا وأخرانا" (?).
قال القاسمي: " وأصل السبيل هو الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة الضرر العام. وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب" (?).
قال الراغب: " وأقرب الأعداء إلى الإنسان وأصعبها دفاعاً وأكثرهم أذى الهوى المدلول عليه بقوله: " جهادك هواك" (?)، وقوله: "أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك" (?)، وقوله لما رجعوا من تبوك: " جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (?) ... وصعوبة مجاهدته أنه عدو يخفي وتخفى مكائده، ونحو هذا نظر الشاعر حيث قال (?):
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي
وعلى هذا قوله عز وجل: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وقوله {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} " (?).
واختلف أهل التفسير في من عنى الله تعالى بهذا الخطاب، على قولين (?):
الأول: قال الجمهور: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله.
قال القرطبي: "وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل؛ قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: 108]. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا" (?).
وعلى هذا القول فإن (الواو) في قوله {وَقَاتِلُوا}، عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام، قال النحاس: " {وَقَاتِلُوا}، أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء" (?)، وقوله {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به (?).
القول الثاني: وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل. قاله الضحاك (?).
و(الواو) على هذا في قوله {وَقَاتِلُوا} عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا (?).
قال الطبري: "ولا وجه لقول من زعم أن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله}، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم" (?).
والظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، بأن هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا. وبه قال أكثر أهل التفسير.
قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 244]، " واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها" (?).
قال محمد بن إسحاق: "أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون" (?).