والقول الثاني هو الأظهر، قال السعدي بعد ذكره القول بالنسخ: "وهذا القول لا دليل عليه، ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشراً على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولاً كاملاً جبراً لخاطرها وبرأ بميتهم، ولهذا قال: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها" (?).

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 240]، "أي: يقبضون من رجالكم" (?).

قوله تعالى: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} [البقرة: 240]، أي: " ويتركون زوجاتهم" (?)، بعد الموت.

قوله تعالى: {وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ} [البقرة: 240]، أي: "كتب الله عليهم وصية" (?) لأزواجهم.

قال ابن كثير: " أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} الآية [النساء: 11] " (?).

قال الزمخشري: " أن يوصوا قبل أن يحتضروا" (?).

قال المراغي: " أي وصية من الله لأزواجهم" (?).

قال ابن عثيمين: "أي عهداً لأزواجهم؛ ولا تكون الوصية إلا في الأمر الذي له شأن، وبه اهتمام" (?).

وفي قوله تعالى: {وَصِيَّةً} [البقرة: 240]، قراءتان (?):

الأولى: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} بالنصب، وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو وحمزة، وحفص عن عاصم، بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم، أو: عليهم أن يوصوا وصية لأزواجهم.

والثانية: {وَصِيِّةٌ لأزْوَاجِهِمْ} بالرفع؛ قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، ثم اختلفوا في وجه رفعهاعلى قولين (?):

أحدها: أنها رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية، وواحتجوا في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله.

ومعنى الكلام على هذا الوجه: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، كتبت عليهم وصية لأزواجهم - ثم ترك ذكر " كتبت "، ورفعت " الوصية " بذلك المعنى، وإن كان متروكا ذكره.

والثاني: أن (الوصية) مرفوعة بقوله: {لأزواجهم}، فتأول: لأزواجهم وصية.

والراجح هو القول الأول، وهو أن تكون (الوصية) إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم. "لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت، فإذا أظهرت بدأت به قبلها، فتقول: جاءني رجل اليوم، وإذا قالوا: رجل جاءني اليوم، لم يكادوا أن يقولونه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه ب (هذا)، أو غائب قد علم المخبر عنه خبره، أو بحذف (هذا) وإضماره وإن حذفوه، لمعرفة السامع بمعنى المتكلم، كما قال الله تعالى ذكره: (سورة أنزلناها) [سورة النور: 1] و {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [سورة التوبة: 1]، فكذلك ذلك في قوله: {وصية لأزواجهم} " (?).

والصواب هو القراءة بالرفع {وَصِيِّةٌ}، وذلك "لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا كان حقا لها قبل نزول قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [سورة البقرة: 234]، وقبل نزول آية الميراث ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن، أو لم يوصوا لهن به" (?).

قوله تعالى: {مَّتَاعاً إِلَى الحول} [البقرة: 240]، أي: "بأن تمتَّع أزواجهم بعدهم حولاً كاملا" (?).

قال الزمخشري: " بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أى ينفق عليهنّ من تركته" (?).

قال الشوكاني: "ن يمتعن بعدهم حولا كاملا بالنفقة والسكنى من تركتهم" (?).

وقرأ أبىّ: متاع لأزواجهم متاعا. وروى عنه: فمتاع لأزواجهم. ومتاعا نضب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل، وعلى قراءة أبىّ متاعا نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع كقولك: الحمد للَّه حمد الشاكرين، وأعجبنى ضرب لك زيداً ضربا شديداً. وغَيْرَ إِخْراجٍ مصدر مؤكد، كقولك: هذا القول غير ما تقول. أو بدل من متاعاً. أو حال من الأزواج، أى غير مخرجات (?).

قوله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]، أي: " لهن ذلك المتاع وهن مقيمات في البيت غير مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه" (?).

قال ابن عثيمين: "أي: من الورثة الذين يرثون المال بعد الزوج؛ ومنه البيت الذي تسكن فيه الزوجة" (?).

قال القرطبي: " معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها" (?).

قال الزمخشري: " ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبى حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب مِنْ مَعْرُوفٍ مما ليس بمنكر شرعاً. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهاءُ} مع قوله: {قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ} " (?).

قال المراغي: " وهذا الأمر أمر ندب واستحسان لا أمر وجوب وإلزام تهاون فيه الناس كما تهاونوا فى كثير من المندوبات" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015