والأظهر هو القول الأخير؛ لأن الآية لا دليل فيها على الإيجاب، وكون فرض الزكاة نزل بعدها لا يلزم منه أن الأمر بإنفاق العفو منسوخ. وعليه فالزكاة واجبة وإنفاق العفو مشروع-مستحب-، وبالتالي لا نسخ في الآية، لأن الواجب لا ينسخ التطوع، والله أعلم.
وقد اختلفت القراءة في قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]، على وجهين (?):
أحدهما: {قُلِ الْعَفْوَ}، نصبًا. وهي قراءة عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قرأة الكوفيين.
والنصب على تقدير {ماذا} مفعولاً مقدماً؛ و {العفو} منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: أنفقوا العفوَ، فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أيّ شيء ينفقون؟
والثاني: {قُلِ الْعَفْوُ} رفعًا، قرأ بها أبو عمرو (?)، والحسن وقتادة (?)، وروي عن بن عامرٍ نصب الواو أيضاً (?).
وذلك على تقدير {ما} اسمَ استفهام مبتدأ؛ و {ذا} اسمَ موصول خبراً؛ فيكون {العفو} خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو العفو، فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، العفو.
قال الطبري: " ولو نصب {العفو}، ثم جعل {ماذا} حرفين، بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ينفقون العفو ورفع الذين جعلوا {ماذا} حرفًا واحدًا، بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، خبرًا، كان صوابًا صحيحًا في العربية" (?).
وقال النحاس: "إن جعلت (ذا) بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى: الذي ينفقون هو العفو، وإن جعلت (ما) و (ذا) شيئا واحدا، كان الاختيار النصب على معنى: قل ينفقون العفو" (?).
وكلا القراءتين صحيح، كما قال ابن كثير: " وكلاهما حسن متَّجَه قريب" (?)، لأن المعنيين متقاربين، ولكن القراءة بالنصب أشهر ومن قرأ به أكثر. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} [البقرة: 219]، أي: " كما فصَّل لكم هذه الأحكام وبينَها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده" (?).
قال المفضل بن سلمة: "أي في أمر النفقة" (?).
قال الفخر الرازي: " معناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون" (?).
قال الصابوني: " أي كما يبين لكم الأحكام يبين لكم المنافع والمضار، والحلال والحرام" (?).
قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: " أي بمثل هذا البيان الواضح الشافي يبين الله لكم أحكامه فى آياته المحكمة، لتكونوا على رجاء من التعرف على مواقع الخير والشر، فتقبلوا على الخير وأهله،