قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: " يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس! ! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى" (?).
قال الطبري: " فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو " العفو " من مال الرجل، إذْ كان " العفو "، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه: " حتى عَفَوْا " بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر (?):
وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
يعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: " خذ ما عفا لك من فلان "، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله: " قل العفو " لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى "، وأذِنهم به" (?).
ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد، وفي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، والصحابة كانوا يكتسبون المال ويمسكون قدر الحاجة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وهي قوله-عز وجل-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]. قاله ابن عباس (?)، وعطاء الخراساني (?)، والسدي (?).
والثاني: أنها مُثْبَتة الحكم غير منسوخة، وأن المراد بالعفو الصدقة الواجبة. قاله مجاهد (?).
والثالث: أنها محكمة مخصوصة بالتطوع. نسبه النحاس إلى أكثر المفسرين (?).