قال الطبري: "وذلك الحق هو القبلة التي وجَّه الله عز وجل إليها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم. يقول: فَولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى، فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس، ورفضُوا ما أمرهم الله به، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ تبارك وتعالى، وخيانتهم عبادَه، وكتمانِهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه" (?).

قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146]، أي: " يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه الحق" (?).

قال الزجاج: أي" أنه الحق" (?).

قال الواحدي: " لأن الله بيّن ذلك في كتابهم" (?).

قال ابن عثيمين: "وهذا أبلغ في الذم، وأقبح في الفعل أن يكونوا كاتمين للحق وهم يعلمون، ومثله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] وقوله {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] " (?).

وفي قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146]، وجهان من التفسير (?):

أحدهما: وهم يعلمون أنه حق.

والثاني: وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب.

الفوائد

1 - من فوائد الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم معروف عند أهل الكتاب معرفة تامة؛ وذلك كما جاء في كتبهم، كما قال الله - تبارك وتعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157].

2 - ومنها: أنه لا عذر ولا حجة لأهل الكتاب في إنكارهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أوتوا من وصفه ما يعرفونه به كما يعرفون أبناءهم.

3 - ومنها: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت؛ لقوله تعالى: {كما يعرفون أبناءهم}؛ فهو يعرف الابن أكثر مما يعرف البنت لقوة تعلقه به.

4 - ومنها: الاحتراس في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: {وإن فريقاً منهم}؛ لأن كتمان الحق لم يكن من جميعهم؛ بل من فريق منهم؛ وطائفة أخرى لا تكتم الحق؛ فإن من النصارى من آمن، كالنجاشي؛ ومن اليهود - كعبد الله بن سلام - مَن آمن، ولم يكتم الحق.

5 - ومنها: شدة اللوم، والذم لهؤلاء الذين يكتمون الحق؛ لأنهم يكتمونه مع العلم به؛ فهم عامدون ظالمون؛ وهذا أشد قبحاً من كتمان الإنسان ما يكون متردداً فيه.

القرآن

{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)} [البقرة: 147]

التفسير:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015