والسادس: أن الحنيف: المستقيم. قاله محمد بن كعب (?)، وروي عن عيسى بن جارية (?) مثله.
السابع: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. قاله أبو قلابة (?).
الثامن: أن الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. قاله أبو العالية (?).
التاسع: أن الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات، والعمات، وما حرم الله عز وجل، والختان. وكانت حنيفة في الشرك: كانوا أهل الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وكانوا يحجون البيت، وينسكون المناسك. قاله قتادة (?).
والصواب: أن (الحنيفية) هو الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الإمام الطبري: " وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: {ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [سورة آل عمران: 67]، فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [سورة آل عمران: 67].
فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها. فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟
قيل: بَلى. فإن قال: فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: " يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ "، وغير ذلك من صنوف الملل" (?).
وفي انتصاب قوله: {حَنِيفًا} [البقرة: 135]، وجهان (?):
أحدهما: أنه نصب على الحال من إبراهيم. قاله الزجاج (?).
الثاني: أنه نصب على القطع، أراد: بل ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب، قاله نحاة الكوفة.
قال الزجاج: " ويجوز الرفع {بل ملةُ إِبراهيم حنيفاً}، والأجود والأكثر: النصب، ومجاز الرفع على معنى: قل ملتُنا ودينُنُا ملة إبراهيم" (?).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]، أي: " وما كان إِبراهيم من المشركين" (?).