وليس في كلامي إيهام تساوي الأمرين من قريب ولا بعيد لمن دقَّق وحقَّق!
ولقد قلِّبْتُ وجوه النظر في كلامي المزبور أمس؛ فلم أُدرك كيف استخلص المسْتَخْلِصُ منه ذلك الإيهام الموهم إيهامًا؟!
ونص كلامي بحروفه هناك:
ألا فلتعلم: أن مطلق الإنكار على العبد الفقير في هذا الأمر غير محمود لأمرين:
أولهما: أن هذا العزو كثيرًا ما يكون صحيحًا مستقيمًا لا أظن أحدًا من العارفين ينتهض للاعتراض عليه!
وذلك: عندما يُعلَّق الرافعي الحديث منسوبًا إلى ذلك الكتاب أو الجزء الذي أخرجه صاحبه فيه.
مثال ذلك: قوله في ترجمة (علي بن أحمد الجصاصي): (سمع القاضي عبد الجبار بن أحمد مجالس من أماليه فيها ثنا القاسم بن علي المالكي ..... ) وساق إسناد القاضي.
فهنا يكون قولنا في العزو إليه: أخرجه القاضي عبد الجبار بن أحمد في (مجالس من أماليه) كما في (تاريخ قزوين). صحيحًا ليس فيه خدشة!
وهناك أمثلة أخرى على هذا النوع: مضى جملة منها في تنبيهنا الطويل!
ثم شرعتُ في بيان الأمر الثاني الذي اعترض عليه كل من اعترض!
فأين ذلك القياس يا عباد الله؟!
بل لو قيل: إنما لم يذكر الرافعيُّ جزءًا أو مصنَّفًا ينقل منه؛ لأنه لا جزءَ ثَمَّ ولا مصنَّف، ولو كان ينقل من شيءٍ من ذلك؛ لصرَّح به وبيَّنه كما بيَّن في المواضع الأخرى= ما كان ذلك بعيدًا.
ليس ذلك بلازم!
وقد وجدناه يُعلِّق أسانيدًا عن مثل أبي سعد السمَّان وأبي يعلى الخليلي وأبي الفتيان الدهستانى وغيرهم من الحفاظ ذوي المصنفات المسطورة، ولا تراه يذكر بعض كتبهم التي ساقوا فيها تلك الأسانيد؟! مع كونك تراه قد نصَّ في تراجمهم على جملة من مؤلفاتهم.
وكأنه كان غير مكترث بهذا العزو في كثير من المواطن!
واحتمال أنه ربما فعل ذلك مع غير هؤلاء الحفاظ من الشيوخ والنقَلَة: هو احتمال غير مُسْتبْعدٍ إن شاء الله.
ولم يُلزم (أبو المظفر) أحدًا بكلامه، لكنني أردتُ ألاّ يخطئ أحدٌ خطأَه -وقد رأيتُهُ خطأً-، ووافقني عليه الشيخ علي، فالحمد لله.
يعجبني في هذا المقام ما أنشده شيخ الحنابلة العلامة مرعي الكرمي في طليعة (أقاويل الثقات):
الناس شتى وآراءٌ مُفرقةٌ ... كلٌ يرى الحقَّ فيما قال واعتقدا
وقد أبرز كل فريق حجَّته، وإن لم يكن مزيد؛ فربما لم أزد على هذا.
الأمر أهون من هذا أيها الفاضل.
وإذا كان إقراري بالخطأ فيما التزمتُه هو الذي سوف ينزل كالبرد في قلوب البعض، فأنا معترف بكوني مخطئًا من مفرق رأسي حتى أعقاب قدمَيَّ!
ـ[أبو المظَفَّر السِّنَّاري]ــــــــ[01 - Feb-2010, مساء 10:38]ـ
لا شك أن الموضوع هام، ولابد أن يُنتبَه له، فجزاك الله خيرًا.
.
أولا: مرحبًا بك يا شيخ رمضان.
ثانيًا: شكرًا لك على كل حال.
ثالثًا: أودُّ تنبيهك على أن الصواب أن نقول: (موضوع مهم) ولا يقال: (هام)! لأن (هام) و (وهوام) كلاهما جمع (هامَّة)! فاعْقِد بخناصرك على تلك الفائدة اللغوية أيها المسترشد.
لو أن أخانا أبا المُظفَّر - وفقه الله - تحلَّى بالرفق في عباراته = لكان خيرًا لنا وله.
فقد قال النبي (ص): «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ».
لم يمنع أحدٌ من الردِّ على من أخطأ من العلماء، ويُبيِّن الصواب، ولكن لنُسلك سبيلهم في الرد والبيان، ولا نُغفِل أدبهم في بيان الأخطاء
كلام جميل. لكن لكنه بمعزل عن محكِّ كلامنا هنا أيها النابه.
والعبد الفقير ما تجاوز رسوم الرفق مع العلماء في هذا التنبيه الشريف إن شاء الله.
وإذا كان وصْفُ تصرُّف المخطئ (بالغلط) و (الخطأ) يصادم الرفق عندك، فكأنك وصفتَ علماء الدنيا بمجاوزة حدَّ الرفق والأدب عند المخاصمة!
لأنه ما من عالم إلا وهو يُخَطِّأ الناسَ ويخطِّئه الناس! وما سلم من الخطأ أحد قط!
بل وقع في عبارات كثير من كبار أهل العلم في تخطئة غيرهم ما لو سطرتُه لك لأعْظمْتَه وقعدتَ له تُفَكِّر!؟
على أن هذا الرفق المطلوب ليس محمودًا مع كل أحد!
فهناك من زلات العلماء: ما لو استعمل الباحث الرفق في معالجتها؛ لربما تسابق البعض إلى التزامها!
ومع هذا: أراني مضطرًا إلى تسطير بعض ما أكره تسطيره في هذا المقام! فأقول:
رُوِّينا بالإسناد الصحيح عن عامر الشعبي الإمام الحافظ القدوة: أنه قيل له عن مسألة: (إن هذا لا يجيء في القياس! فقال: أير في القياس)!
فانظر كيف ضاقت ألفاظ التحذير على هذا الإمام حتى ما وجد كلمة تكون رادعة لأولئك الذين يقدمون الآراء والظنون على نصوص الوحْيَيْن، سوى تلك الكلمة التي تنبو عنها أذواق السامعين باديَ الرأي!
فهل يقال في حق ابن شراحيل: أنه لم يكن يراعي الرفق في خطابه مع المخالفين الذين فيهم مَنْ فيهم من العلماء والمجتهدين؟!
وسلوك سبيل العلماء في الرد والتعقب: نحن نفطن له كثيرًا ولله الحمد، وما من كلمة نطق بها لساني في هذا الصدد إلا وعندي عشرات أمثالها مما ذكره العلماء وهم بصدد الكشف عن أخطاء بعضهم!
وانظر المزيد في كلامي الآتي مع صاحبنا (علي بن عبد الباقي) إن شاء الله.
ولكن ... !
بَوْنٌ شاسعٌ بين مثالك هذا وما زبَرتَه في مشاركاتك السابقة؛ فإن كتابَيْ البخاري وأبي داود؛ بَلْه كل كتب الإمامَيْن - رحمهما الله - لا يجهلهما عالمٌ، وينهل من معينهما كل أحد، أما «تاريخ قزوين» فليس بتلك المنزلة
أما أن تاريخ أبي القاسم القزويني ليس بمنزلة من ذكرتَ، فليس ذلك مُتَّكَأً يُتَّكَأُ عليه في تبرير تساهل من تساهل في هذا الخطب!
ثم أن (تاريخ قزوين) يشارك غيره من الكتب المسندة بجامع احتوائه على (حدثنا وأخبرنا) كما لا يخفى، وإن لم يلزم ذلك التساوي بينه وبين سواه في المنزلة والرتبة.
وإلا ففي هذا التاريخ من نوادر الأسانيد وغرائبها ما لا تراه إلا فيه! وهذا من فوائده بلا ريب.
فالحاصل: أن كل من سيحاول درء اللوم والعتاب عن المخطئين في هذا الباب = فسوف يتَّسع عليه الخرْق شاء أم أبَى!
¥