وهذا يتميز به العالم عن غيره؛ روى الإمام مسلم من حديث كريب مولى عبدالله بن عباس، عن عبدالله بن عباس، عن جويرية، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بعد صلاة الصبح، وما زالت في مصلاها تذكر الله، فما رجع إلا بعد ارتفاع الشمس، قال: ((ما زلتِ في مصلاك؟))، قالت: نعم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أما إني قلت أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزنتْ بما قلتِ لوزنتْه: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، ثلاثًا)).
فالأذكار تتفاضل؛ ولذلك ينبغي تفضيل أو تقديم الفاضل على غيره من الأذكار، وينبغي للمرء أن يتفقه فيها، وأن يعرفها، وأن يميزها عن غيرها؛ لكي يتحقق له ذلك الفضل؛ ولذلك جعل الله - سبحانه وتعالى - ذكره حرزًا للإنسان وحماية له، ومع ذلك شكرًا للمنعم، فمن أعظم الحِكَم التي شرع الله - عز وجل - لأجلها الذِّكرَ شكرُ الله - عز وجل - على ما أنعم على العبد حينما سلم له جسده فأصبح معافى؛ كما روى الإمام مسلم من حديث أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يُصبح على كل سُلاَمَى منكم صدقة، فبكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ... )) إلى آخر الخبر، وهذا يدل على أن التسبيح والتحميد هو شكر للمنعم على ما سلم الله - جل وعلا - للإنسان من نعماء، ومن حواس، وما رزقه، وكأنه يطلب المزيد في ذلك، وهذا من أعظم شكر المنعم، إضافة لذلك فإنه يكون حرزًا للإنسان في يومه وليلته.
وذكر الله في الصباح والمساء قد جاء على أنواع عدة، منها ما هو مقيَّد بصباح، ومنها ما هو مقيد بمساء، ومنها ما هو بصباح ومساء، ومنها ما هو بليل لا يكون بصباح ولا يكون بمساء، ويأتي الكلام عليه.
وحصر ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث أذكار الصباح والمساء يصعب جدًّا؛ لأن ثمة شيئًا كثيرًا منها في عِداد الواهي والموضوع، وما نذكر هو أجود ما جاء في هذا الباب، وما هو مشتهر مما هو معلل وضعيف، مع بيان علته وضعفه، وبيان الوقت الذي يشرع فيه، والعدد الذي دل الدليل عليه، وما ورد في بعض الأدلة من اختلاف واضطراب، وما ينبغي التقديم به هنا وقبل الشروع في ذلك أن يقال: إن الأئمة - عليهم رحمة الله - من النقاد وغيرهم لا يتعاملون مع فضائل الأعمال كما يتعاملون مع أحاديث الأحكام (الحلال والحرام)؛ بل إنهم يخففون فيها كما قال يحيى بن سعيد: إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال تساهلْنا؛ ولذلك الأئمة لا يطبقون قواعد النقد وتشديد الرواية في أبواب: السير والمغازي، والتاريخ والتفسير، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، والترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال، وما يدخل في بابنا هذا هو فضائل الأعمال.
ومتى يجوز رواية الحديث في فضائل الأعمال؟
فقد نص العلماء على شروط، وإن لم ينص عليها بعضهم صراحة، إلا أنها موجودة في استعمالهم، فيقال:
الشرط الأول: ألاَّ يكون الحديث ضعيفًا جدًّا فلا يكون فيه راوٍ متهم، أو متروك، أو ضعيف جدًّا، أو مطروح الحديث.
الشرط الثاني: أن يكون قد دلَّ أصل على فضل ما ورد في الحديث، وإنما هذا الحديث قد جاء بزيادة فضل.
الشرط الثالث: ألاَّ يرويه جازمًا بصحَّته، وأن يرويه بصيغة التمريض، وهذا الذي عليه عامة العلماء، ولا أعلم أحدًا منع من رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب على الإطلاق، إلا ما يحكى عن يحيى بن معين، وهو متأول بما حكاه الخطيب البغدادي عنه، وليس هذا محل بسطه.
وهنا مسألة ينبغي أن يتنبه لها، وهي أن فضائل الأعمال والرواية فيها، قد يستشكل على البعض ما جاء من الترغيب فيه كصلاة معينة أو عبادة معينة، مما يتساهل الناس فيه على الإطلاق؛ فيقال: إن فضائل الأعمال التي يترخص فيها هي ما دل دليل على وجود أصلها، لكن هذا الحديث قد انفرد بثواب فيها، فهذا الحديث لم يأتِ بمشروعية تلك العبادة استقلالاً، كصلاة الضحى مثلاً، هي مشروعة والأحاديث فيها صحيحة، فلو جاء حديث في بيان قدر من الحسنات لمن صلاها، أو "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، هذا الذكر معلوم لو جاء حديث في بيان قدر معيَّن من فضائل مَن قاله، والعاقبة وثواب الذي يؤتاه، فهذا من فضائل الأعمال، ما لا يدخل في
¥