وهناك أدلة ربما يستدل بها على جوازها، خاصة لمن يغلب عليه النسيان فلا يضبط العدد؛ قد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث صالح بن درهم، عن عبدالله بن عمر أنه جاءه رجل يسأله عن الطواف على الصفا، فقال له: افتتح بالصفا واختم بالمروة، قال: وإن خشيت أن تنسى فخذ بيدك حصى، وضع عند الصفا واحدة، وعند المروة واحدة، وروى الفضل بن شاذان في كتابه "عد الآي والركعات في الصلاة" من حديث عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - عليها رضوان الله تعالى - أنها كانت تعد ركعاتها في الصلاة بخاتمها.
وروي من حديث أبي معشر عن إبراهيم النخعي، قال: لا بأس بعد ركعات الصلاة بالخاتم، وأن يحفظها به، ولا أعلم أحدًا من السلف كره التسبيح أو ذكر الله - عز وجل - بالمسابيح ولا بالنوى، إلا ما يروى عن عبدالله بن مسعود فيما رواه ابن وضاح في كتابه "البدع والنهي عنها" من حديث الصلت عن عبدالله بن مسعود: أنه رأى امرأة بيدها مسبحة فقطعها، وما جاء عنه أنه كان يكره العد.
وكذلك ما جاء عند ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن إبراهيم النخعي، أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء في فتل الحبال التي يسبح بها.
فيقال: إن ذلك قد يحمل قول عبدالله بن مسعود على عد الحسنات؛ لأنه قد دخل عليهم - كما ذكر ابن وضاح - فقال: عدُّوا سيئاتكم؛ لأنهم كانوا يقولون: سبحوا مائة، وهللوا مائة، ونحو ذلك، بامتثال قدر معين يقابلونها بعد حسنات، وهذا لا يشرع؛ ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مال في "الفتاوى" إلى جواز التسبيح بها، إلا إذا غلب على ظن الإنسان المراءاة، وربما يراه الناس يرائي بها؛ يعني يسبح بها، فحينئذٍ تكره من هذا الوجه، أما استقلالاً فلا؛ ولذلك قد ذكر السيوطي - عليه رحمة الله - في كتابه "الحاوي" قال: لا أعلم أحدًا من المتقدمين والمتأخرين قال بكراهتها، قال: وما جاء عن بعض الصحابة - يعني أبا هريرة وغيره - أنه كان يستغفر اثني عشر ألف مرة، قال: ذلك لا يكون إلا بعدِّ مسابح، وما جاء عن بعض السلف في أنه لا ينكر ذلك باليد، فيقال: إنه من الفقه في الدين، ومن الحكمة لمن كان يغلب عليه النسيان، أو لديه صوارف كثيرة، ونحو ذلك، ألاَّ ينهى عن العد بالمسابح؛ ولذلك عبدالله بن عمر لما جاءه رجل وسأله في طواف لسبع مرار في ذهاب ومجيء، قال: خذ حصى، وضع عند الصفا واحدة، وعند المروة واحدة، وعائشة - رضي الله عنها - تعد ركعات صلاتها بخاتمها تديره؛ تضعه من يد إلى يد، وكذلك عن إبراهيم النخعي، وروي عن عائشة ذلك بإسناد صحيح، وما جاء في الشرع عدد معين، فلا يزاد عليه ولا ينقص؛ لأن هذا تعبُّدي.
والأذكار تتفاضل بحسب الدليل، وأفضلها: لا إله إلا الله؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أفضل الذكر: لا إله إلا الله))؛ كما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من حديث جابر، وكذلك قد روى الإمام مالك في "الموطأ" من حديث طلحة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، وهذا هو أفضل الذكر.
ولذلك قد جاء في الشرع بيان فضل جملة من الأذكار وتفضيلها على غيرها، وبيان فضل جملة من الأذكار من غير تفضيل على غيرها، كتفصيل "لا إله إلا الله" على غيرها، والفضل المطلق كفضل "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى قال: ((قولوا: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"؛ فإنها كنز من كنوز الجنة)) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))، وهذا يدل على فضلها وثقل ميزانها، ولا يعني تفضيلَها بذاتها على غيرها بهذا الدليل؛ وإنما بدليل آخر، كما جاء في مسلم: ((أفضل الكلام بعد كلام الله، وهن من كلام الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
¥