وقد ثبت عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يذكرون بالآلاف؛ كما ثبت عن أبي هريرة عند أبي نعيم في "الحلية" أنه قال: إني لأستغفر الله في اليوم ثنتي عشرة ألف مرة، وكذلك قد جاء عن أبي الدرداء كما أخرجه عبدالغني المقدسي في كتابه "الكمال": أنه كان يذكر الله أربعين ألف مرة، وجاء في ذلك عن خالد بن معدان وعن غيره.
وذكر الله - سبحانه وتعالى - يكون بالأنامل بعقد الأصابع أو بغيرها؛ ولذلك ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعقد التسبيح بيده، وجاء في زيادة غير محفوظة: "بيمينه"، ويشرع عقد التسبيح والأذكار باليدين كليهما، ومن قال باليمين تصحيحًا للرواية فلا حرج، وهو على اتباع، وقد قال بذلك غير واحد من الأئمة، وأما عقد التسبيح بغير اليدين كالمسابح والخرز وغيرها، فلا حرج فيه على الصحيح، ولا أعلم أحدًا من السلف ولا من الأئمة المعتبرين قال ببدعيتها.
والأفضل أن يكون بالأصابع، وقد جاء في ذلك حثٌّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما رواه الترمذي وأبو داود من حديث يُسَيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات مستنطقات))؛ وهذا الحديث قال الترمذي فيه: قد تفرد به هانئ بن عثمان ولا يصح، وقد جاء عند الترمذي وعند أبي بكر الشافعي وعند الحاكم في مستدركه من وجه آخر، من حديث هاشم بن سعيد، عن كنانة مولى صفية، عن صفية قالت: دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي أربعة آلاف نواة أسبِّح بهن، فقال: ((يا بنت حيي، ماذا تصنعين؟))، فقالت: إني أسبح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إني قلت أكثر مما تقولين، إني قلت: سبحان الله وبحمده، عدد ما خلق من شيء ... )) الخبر، وهذا تفرد به هاشم بن سعيد كما قال ذلك الترمذي - عليه رحمة الله - ولا يصح عن صفية، ولا يصح نهي عن عقد التسبيح بالمسابح ولا بالخرز، فهذا جائز، قد نص على جوازه غيرُ واحد من أئمة السنة؛ كيحيى بن سعيد الأنصاري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، وروي عن غير واحد من الصحابة؛ كأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
كما روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي، عن أبي هريرة، قال: نزلت على أبي هريرة ستة أشهر، فما والله رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد تشميرًا ولا أقوم على ضيف من أبي هريرة، وكان عنده كيس فيه نوى يسبح فيه وعنده جارية، فيأخذ من الكيس فيرمي ويسبح، فإن فرغ أعادته إليه ليسبح مرة أخرى، وهذا الحديث فيه الطفاوي قد نزل على أبي هريرة ستة أشهر، وقد لقي جملة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يعرَف إلا بهذا الحديث.
لكنه قد جاء عن غير واحد من الأئمة، فذكر الذهبي في ترجمة يحيى بن سعيد الأنصاري في كتابه "التاريخ" قال: قال يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد الأنصاري يجلس ومعه مسبحة يدخلها بين ثيابه يسبح بها؛ أي: يريد التخفي بها؛ لكي لا يرائي.
وذكر السخاوي - عليه رحمة الله - في كتابه "الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر": أن شيخ الإسلام إذا قعد مع الجماعة بعد صلاة العشاء يتذاكرون، جعل بيده مسبحة بين ثيابه وبين جسده يسبح بها؛ لكي لا يراه أحد، فإن سقطت تغيَّر وجهه؛ يريد أن يتخفى بذكر الله.
قال الإمام أحمد - عليه رحمة الله -: ويحيى بن سعيد الأنصاري ما رأيت مثله قط، وهو كان ممن يسبح بداره.
قد صنف في جوازها غير واحد من الأئمة، فالسيوطي - عليه رحمة الله - له رسالة سماها: "المنحة في السبحة"، ولابن طولون رسالة فيها سماها: "الملحة في السبحة"، وكذلك لابن علان الشافعي رسالة فيها سماها: "إيقاظ المصابيح بمشروعية المسابيح".
¥