وقال بعضهم: إنه يكون من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وسبر الحافظ ابن حجر أنه يكون من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ويدخل تبعًا ما كان بعد غروب الشمس من باب الوقت المفضول لا الفاضل.

والظاهر أن وقت الصباح يكون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمساء من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهذا الذي كان يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وإن ثبت عن بعض الصحابة أنه كان يذكر الله جالسًا بعد طلوع الشمس، كما جاء عن جويرية كما في "صحيح مسلم"؛ فالصحابة والنبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يجلسون بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ثم يقومون؛ كما جاء في حديث جابر بن سمرة في "صحيح الإمام مسلم"، وهذا يدل على أن الأذكار تكون في هذا الوقت، فيبقى الإنسان ذاكرًا لله.

وهنا قد ذكر بعضهم أنْ لا حرج على الإنسان أن يذكر الله قبل دخول الصباح للصباح، وقبل دخول المساء للمساء؛ لأن قوله: ((إذا أمسيت)) لا يعني دخول الإمساء؛ كما قال الله - عز وجل -: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98]؛ أي: قبل شروعك بذلك؛ لكي يحميك وتحترز به من صوارف الهوى، ومن شياطين الإنس والجن، وكقول الله - سبحانه وتعالى -: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6]، فيكون الوضوء قبل الشروع في الصلاة، فإذا قيل: إذا أمسيت أو إذا أصبحت، يكون قبيل الصباح وقبيل المساء لا حرج في ذلك.

ويكون هذا بدخول الوقت، لا علاقة له بالصلاة، ويظن البعض أن الذكر لا يكون إلا بعد أداء صلاة العصر وبعد أداء صلاة الفجر؛ بل هو متعلق بالصباح والمساء وقتًا، لا صلاةً وعبادة، وهذا ما يتعلق بأذكار الصباح والمساء، لا بالأذكار التي هي مقيَّدة بأدبار الصلوات مما هو مخصوص بصلاة معينة؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام أحمد وابن السني وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الصبح قال: ((أصبحْنا على فطرة الإسلام، وعلى دين محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين))،فهذا مقيد بصلاة الصبح في وقتها، لا قضاء في مساء؛ وإنما هو في صباح؛ ولذلك قال أصحابنا: وذكر الله - سبحانه وتعالى - تقدم أنه من أعظم الأعمال وأحبها إلى الله - سبحانه وتعالى - وذلك أن الإنسان بإمكانه أن يتعبَّد لله - جل وعلا - في كل وقت وكل حين، وعلى أي هيئة كان، ولا يشرع لذكر الله - سبحانه وتعالى - استقبال القبلة، ولا قيام، ولا هيئة، ولا وضوء؛ ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - مادحًا سائر الأحوال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، إلا ما دل الدليل عليه؛ كما في حديث البراء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما تقول إذا ما أويت إلى فراشك طاهرًا؟))، فقال: الله ورسوله أعلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك ... )) إلى آخر الخبر، ويأتي الكلام عليه.

وذكر الله - سبحانه وتعالى - بما جاء به مطلق من غير عدد، يذكره الإنسان من غير حسبان، وكلما أكثر فالثوابُ أكثر من غير عدد، وقد أنكر بعضهم المبالغة في ذكر الله، والإكثارَ عن ما دل عليه الدليل، وقال بعضهم: إنه لم يَرِدْ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائة، وهذا وَهْمٌ وغَلَطٌ؛ فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ... )) إلى آخره، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يأتي يوم القيامة أحدٌ بأفضل منه، إلا رجلٌ قال أكثر مما قال))، وكذلك ما جاء في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ))، فدل على أنه يشرع الزيادة، وأنه ما دل الدليل عليه بعدد يلتزمه، ولا حرج عليه أن يزيد في جملة الأذكار.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015