ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقرأ القرآن في حال الركوع؛ لأن حال الركوع مظهر من مظاهر المذلة والاستكانة لله، فناسب أن لا يُقرأ شيء من القرآن في مثل هذا الموضع، وأن لا يكون القرآن إلا في حال القيام، وخص الله - جل وعلا - ذلك بذكره مما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك كان القرآن الكريم تُشترط له الطهارة الكبرى وتُستحب له الصغرى، بخلاف ذكر الله - تعالى - بما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك يقال: إن ذكر الله - جل وعلا - في غير القرآن لا يشرع له طهارة، أما ذكر الله بالقرآن، فإنه يشرع له الطهارة؛ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله ويوصي أصحابه، والأدلة في هذا عن السلف وعموم الأدلة من القرآن كثيرةٌ معروفة.
والذكر الذي سنتكلم عنه هنا مقيد بذكر الصباح والمساء، لا بعموم الأذكار؛ وذلك أنها تفتقر إلى كلام طويل، ولو تحدثنا فيها أيامًا طوالاً وأشهرًا، لَمَا كفى؛ لأن المسائل فيها متنوعة.
وإنما حدد ذلك بأذكار الصباح والمساء؛ لأنها يفتقر إليها الإنسان في كل صباح ومساء في يومه وليلته، وأنها من أعظم الحرز وما يحمي الإنسان في يومه وليلته، وما حث الله - عز وجل - عليه في مواضع كثيرة في كتابه؛ فأمر الله - سبحانه وتعالى - بذكره غدوًّا وعشيًّا، صباحًا ومساءً؛ ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِفَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130]؛ أي: إنه في كل وقت، وقال الله - سبحانه وتعالى -: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39]، وقال الله - سبحانه وتعالى -: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]، وهذا المراد في هذه الليلة؛ أي: الكلام على أذكار الصباح والمساء.
وأذكار الصباح والمساء على وجه العموم يدخل فيها آيُ قرآن، وما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذكرٍ من تسبيح، أو تحميد، أو تهليل، أو تكبير، أو دعاء، ويأتي الكلام عليه - بإذن الله جل وعلا - بتفصيله.
تقدم الكلام على تعريف ذكر الله، والصباح والمساء تعريفه: الصباح: مأخوذ من الإصباح، وهو الظهور، وهو أول النهار، ويكون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ويدخل فيه تبعًا ما كان بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، والمساء - على المشهور - أنه يكون بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وقد اختلف العلماء في وقت وقوع الأذكار التي دل الدليل عليها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإصباح والإمساء بالغدو والعشي، على عدة أقوال في الصباح، وعدة أقوال في المساء:
أولها: أن ذكر الصباح يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهذا هو المشهور، وهو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله تعالى - وكذلك رجحه ابن القيم في كتاب "الوابل"، وهذا ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يعضده ما رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك، ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لأن أجلس مع قومٍ يذكرون الله من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربع رقاب، ولأن أجلس مع قوم يذكرون الله من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربع رقاب)).
وهذا يعضد أن أذكار الصباح والمساء تكون من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهذا هو المشهور.
وذهب ابن الجزري - وهذا هو القول الثاني - إلى أن أذكار الصباح تكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ أي: إن النهار كله للصباح، وذهب بعض العلماء - وسبره الحافظ ابن حجر - إلى أن الصباح يكون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ويدخل فيه تبعًا - ويكون وقتًا مفضولاً، لا فاضلاً - من بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، وهذا قول قوي.
وقال بعضهم - وهذا مروي لبعض المتأخرين -: إن الصباح يكون من منتصف الليل إلى طلوع الشمس، ولا أعلم لهذا قائلاً من السلف في القرون المفضلة ومن الأئمة المشهورين الأوائل، وأما المساء، فالمشهور أنه يكون من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وقال بعضهم: إنه من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهذا قال به ابن الجزري.
¥