فإن كانت العلة في واحدٍ منهم فقط، فالأفضل ترك الترجمة لمن سواه، فيقال مثلاً: (في إسناده فلان ... )، ولا حاجة إلى سرد ترجمة لكل راوٍ من الرواة ولو كان ثقة إمامًا كالأعمش وقتادة ونحوهم، كما لا حاجة إلى ترجمة الصحابي؛ لأن الصحة في باب الجرح والتعديل متوقفة على الثقة، والصحابة ثقات عدول، فما الحاجة إلى تطويل الكلام في تراجمهم؟
والمحبَّذ أيضًا الاختصار وعدم التطويل في ترجمة ذلك الراوي موضع العلة، فإن اتفق الأئمة على تضعيفه؛ ذُكر ذلك، وعُزِيَ إلى المصادر، وإن اختلفوا؛ فيحرَّر حاله بحسب ما تقتضيه قواعد الجرح والتعديل.
ولنَعُد إلى هذا الحديث:
الخطوة الأولى:
تحديد المدار الذي التقت عنده الطرق، وهو عبدالله بن لهيعة.
الخطوة الثانية:
النظر في ثبوت الحديث عن المدار:
فقد رواه أبو عيسى الترمذي والحكيم الترمذي عن علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم،
ورواه الطبراني عن بكر بن سهل، عن عبدالله بن يوسف،
كلاهما عن ابن لهيعة، عن عبيدالله بن أبي جعفر، عن أبان بن صالح، عن أنس، به.
وإسناد الترمذيَّين صحيح عن الوليد بن مسلم، والوليد ثقة، فصح عن عبدالله بن لهيعة، وإذا جاءت روايات أخرى موافقة لهذه الرواية عن عبدالله بن لهيعة؛ حكمنا بصحتها مباشرة، دون النظر إلى رواتها.
وهنا جاءت رواية الطبراني موافقة لرواية الترمذيين، وفيها بكر بن سهل، وهو ضعيف، لكن ضعفه هنا لا يؤثر، لأنه لم يأت بشيء خطأ.
ولأجل هذا لم نحتج إلى أن نذكره في التخريج، فقلنا: الطبراني من طريق عبدالله بن يوسف؛ لأنه ليس موضع علة هنا، وكذلك لم نحتاج إلى النصِّ على ضعفه في دراسة الأسانيد.
ولكون تعاضد هذين الإسنادين عن عبدالله بن لهيعة يفيد صحة كونِهِ رواه وحدَّث به؛ لم نذكر في التخريج تفاصيلهما، فقلنا: الترمذيان من طريق الوليد، والطبراني من طريق عبدالله بن يوسف، ولم نقل: الترمذيان عن علي بن حجر، عن الوليد، والطبراني عن بكر بن سهل، عن عبدالله بن يوسف.
فهذا الإسناد الأول ثابت عن ابن لهيعة.
وأما الإسناد الثاني، فندرس رواته دراسة خارجية لا تثبت في التخريج -فيما أرى-، وما دام صح عن كامل بن طلحة، فنقول في التخريج: القشيري من طريق كامل.
وحينئذ فقد صح عندنا أن ابن لهيعة روى الحديث بإسنادين:
عن عبيدالله بن أبي جعفر، عن أبان بن صالح، عن أنس،
وعن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس.
الخطوة الثالثة:
تبيين حال المدار، وهنا نبيِّن حال عبدالله بن لهيعة من الضعف.
الخطوة الرابعة:
ننظر في الترجيح أو الحكم بالاضطراب.
فقد روى الإسناد الأول عن ابن لهيعة ثقتان (الوليد بن مسلم وعبدالله بن يوسف)، وروى الإسناد الثاني عن ابن لهيعة ثقة (كامل بن طلحة).
والأولى هنا ألاَّ يُخطَّأ كامل بن طلحة مع أن الأقرب أن ابن لهيعة قد اضطرب فيه، وابن لهيعة ضعيف أصلاً.
فالراجح أن ابن لهيعة قد اضطرب في الحديث.
ومن ثم، فلا حاجة بنا إلى النظر في ترجمة عبيدالله بن أبي جعفر، ولا أبان بن صالح، ولا خالد بن يزيد، ولا سعيد بن أبي هلال؛ لأن ذِكْرَ كل هؤلاء إنما هو اضطراب من ابن لهيعة لا يصح.
وخلاصة صياغة دراسة الأسانيد -فيما أرى- أن نقول:
اختُلف عن ابن لهيعة:
- فرواه الوليد بن مسلم وعبدالله بن يوسف عنه، عن عبيدالله بن أبي جعفر، عن أبان بن صالح، عن أنس،
- ورواه كامل بن طلحة عنه، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس.
وابن لهيعة ضعيف مشهور الضعف، والأقرب أنه اضطرب في هذا الحديث، وهو أولى بتحميل ذلك من تخطئة كامل بن طلحة -وهو ثقة-.
فالحديث على ذلك ضعيف.
تنبيه: لم أتطرق إلى حديث النعمان بن بشير؛ لأنه يبعد أن يصح عن أبي معاوية وعبدالله بن داود عن الأعمش بلفظ: "مخ العبادة"،
فرواية أبي معاوية جاءت من طريق ابن أبي شيبة عنه، وابن أبي شيبة نفسه أخرجه عنه في مصنفه (29167) بلفظ: "هو العبادة"،
وجاء عن عبدالله بن داود من رواية غير واحد من الثقات بلفظ: "هو العبادة".
فالظاهر أن الخلل من كتاب الدعاء للسلفي؛ مخطوطته، أو إدخاله في برامج الحاسوب، ومن ثم، فالأولى عدم إدخال حديث النعمان في تخريج حديث: "الدعاء مخ العبادة"، وإن كان ولا بد؛ فيكون في تنبيه على عدم صحة ذلك فيه.
أعتذر جدًّا عن الإطالة، وأرجو أن ما كتبته واضح ومفهوم، وجزاكم الله خيرًا.
ـ[أحمد السكندرى]ــــــــ[06 - عز وجلec-2009, مساء 08:56]ـ
-جزاكم الله خيرا، يا شيخى أبا عبد الله
طبعا كلامك على العين و الرأس.
و كل ما قلته هو عين الصواب،
و ان شاء الله صدرى سيكون رحبا على الدوام
و لكن لى سؤال و هو أليس الوليد بن مسلم يدلس و يسوى، فكيف يكون الاسناد الى ابن لهيعة من طريقه صحيح ... نعم أنه ثقة، و لكن لا ينفى ذلك أنه يدلس و يسوى.
أعذرنى لأننى أولا: مبتدىء، ثانيا: أننى أقوم ببعض الدراسات لالتماس الفوائد العلمية من حضراتكم،و لذا ستجدها كلها مليئة بالقصور.
و أخيرا أشكرك على تنبيهك، و جزاكم الله خيرا.
من تلميذكم
أحمد السكندرى
¥