هذا، وقد قال ابن عدي -في الكامل (6/ 425) -: (والمثنى بن الصباح له حديثٌ صالح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ويروي عن عطاء بن أبي رباح أحاديث عددًا، وقد ضعفه الأئمة المتقدمون، والضعف على حديثه بيِّن).

وقول ابن عدي في صلاحية أحاديثه عن عمرو بن شعيب خصَّه بروايته عن أبيه عن جده، وليس حديثنا منها،

وابن عدي معروف بتسهيل العبارة بعض الشيء في الضعفاء.

ثم إن نكارة أحاديث المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب معروفةٌ بين النقاد:

فقد قال الحافظ صالح جزرة -كما في الكامل (6/ 424) -: (مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب يقطع الصلاة وينقض الوضوء)، وصالح جزرة معروف بالدعابة، ولعل هذا من دعابته؛ حيث شبَّه أحاديث المثنى عن عمرو بن شعيب في ضعفها ووهائها بقواطع الصلاة ونواقض الوضوء؛ لأن رواية المثنى عن عمرو تخرق صحة الإسناد واستقامته كما تخرق القواطعُ والنواقضُ الصلاةَ والوضوء.

وقد قال يحيى القطان في المثنى بن الصباح -كما في الجرح والتعديل (8/ 324) وغيره-: (لم أتركه من أجل حديث عمرو بن شعيب، ولكن كان اختلاطٌ منه في عطاء)،

وهذا لا يفيد نفي ترك المثنى من أجل حديثه عن عمرو بن شعيب -على الأرجح-،

بل الظاهر أنه يريد: أنه لم يترك المثنى لأجل حديثه عن عمرو بن شعيب فحسب، فذاك أمر يسير بالنسبة إلى تخاليطه ومناكيره عن عطاء.

وهذا التفسير يؤيده أصلُ كلام القطان هذا، فإنه لا بد أنه كان معلومًا منتشرًا بين النقاد أن حديث المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب منكرٌ واهٍ؛ فأراد القطان أن يبيِّن أن للمثنى مناكير وتخليطات أخرى سوى ذلك، وهي أشدُّ منه، وأدعى منه إلى تركه، وإلا فلا معنى للنص على رواية المثنى عن عمرو بن شعيب في سياق ذلك الكلام، والله أعلم.

كما يدل على نكارة حديث المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب: أن أبا زرعة الرازي قال -كما في الجرح والتعديل (6/ 239) -: (وعامة هذه المناكير التي تُروى عن عمرو بن شعيب: إنما هي عن المثنى بن الصباح وابن لهيعة والضعفاء)، وهو يريد بذلك تبرئة عمرو بن شعيب من عهدتها.

ويدلُّ لذلك أيضًا: أن الإمام أحمد قال في عبدالله بن لهيعة -كما في تهذيب الكمال (15/ 491) -: (كان كَتَبَ عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وكان بعدُ يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسِه)، فكأن الإمام أحمد أراد أن يبرئ ابن لهيعة من نكارة أحاديثه عن عمرو بن شعيب، فبيَّن أن سبب ذلك: تدليسه إياها عن المثنى بن الصباح.

وهذا النقل الأخير يبيِّن أن متابعة عبدالله بن لهيعة للمثنى بن الصباح على هذا الحديث شبهُ لا شيء، ولا يصح الاعتداد وتقوية الخبر بها؛ لأنها إنما تعود إلى المثنى، وسبق بيان حاله، وقد قال أبو حاتم الرازي -كما في المراسيل (ص114) -: (لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا).

ولا يشكل على هذا قول ابن لهيعة في هذا الحديث وغيره: (حدثنا عمرو بن شعيب)، فإنه لسهوه ونسيانه كان يقول ذلك مع أنه لم يسمع تلك الأحاديث من عمرو، وجرى له ذلك مع غير المثنى بن الصباح، قال عبدالرحمن بن مهدي -كما في الجرح والتعديل (5/ 146) -: (كتب إليَّ ابنُ لهيعة كتابًا فيه: "حدثنا عمرو بن شعيب"، فقرأته على ابن المبارك، فأخرج إليَّ ابنُ المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، فإذا: "حدثني إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب").

لكن قد قال أحمد بن صالح -كما في تحفة التحصيل (ص185) -: (لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب إلا حديثين، فأتمُّوها له مائتين)، وقال أبو داود -كما في سؤالات الآجري (2/ 177) -: (إنما سمع ابنُ لهيعة من عمرو بن شعيب ثلاثة أشياء أو أربعة أشياء).

فإن صح قولهما؛ فإنهما لم ينُصَّا على الأحاديث المسموعة لابن لهيعة من عمرو بن شعيب، والظاهر أن هذا إنما يستفاد من القرائن الحافة بالرواية.

ومفاد كلامهما: أن الأصل في رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب: عدم السماع، فيُبقَى على الأصل ما لم تأتِ قرينة صارفة تدلُّ على أن ابن لهيعة سمع حديثه المعيَّن من شيخه.

وقد دلَّت القرائن هنا على أنه لم يسمعه من عمرو؛ فإن الحديث مشهور عن المثنى بن الصباح، وهو معروفٌ به، وابن لهيعة كان يدلس عن المثنى في رواية عمرو بن شعيب خاصة، فثبت أنه إنما استفاده من المثنى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015