فتردد الله تعالى ليس منشؤه عدم الجزم بأحد الطرفين، أو عدم العلم بعواقب الأمور، وإنما هو تردد مفسر في الحديث نفسه، حيث قال: " يكره الموت، وأنا أكره مساءته" فهذا هو حقيقة تردده سبحانه، وهو كون الفعل مراد لله من وجه، فهو يريد الموت لعبده؛ لأنه قضى به عليه، ولابد له منه، ومع ذلك فهو يكرهه؛ لأنه يكره ما يكرهه عبده، ولذلك قال: "وأنا أكره مساءته" ([27] ( http://majles.alukah.net/#_ftn27))

وأما من سلك سبيل التأويل فيكفي في بيان بطلان مذهبه، أنه صرف الحديث عن ظاهره من غير قرينة توجب ذلك.

ومع بيان بطلان هذا المسلك من أساسه، فإن ما ذكر فيه من تأويلات، بعيدة جدا عن ظاهر الحديث، وقد تتبع بعضها الشوكاني في كتابه" قطر الولي" وبين بطلانها ([28] ( http://majles.alukah.net/#_ftn28))

أما ما ذهب إليه الشوكاني من أن معنى التردد: هو انتظار ما يأتي به العبد مما يقتضي تأخير أجله، من دعاء، أو صدقة، أو صلة رحم، فإن أتى به فسح له في عمره وأخر له أجله، وإلا مات بأجله الأول؛ فإنه غير وجيه؛ لأن التردد الوارد في الحديث ليس فيه ما يشعر بالانتظار، بل فيه عزم وجزم بإرادة الموت للعبد، ولذلك قال تعالى: "ما ترددت في شيء أنا فاعله"، ثم إن السبب والمسبب مقدران مكتوبان معلومان لله تعالى، فهو يعلم هل سيأتي عبده بهذه الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض، أو لا يأتي بها، وعليه فهو يعلم هل سيموت في مرضه هذا أو لا. فأي معنى وفائدة لهذا الانتظار؟! ([29] ( http://majles.alukah.net/#_ftn29))

وعليه فإن مذهب السلف في إثبات صفات الله وأن النصوص الواردة بها إنما هي على ظاهرها، هو أسلم الذاهب كلها على الإطلاق وأحكمها، بل وآمنها من الخوض في التأويل والتوقيع عن الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

استشكال قوله في الحديث:" فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"

وقد احتج أهل الحلول والإتحاد بهذا الحديث على صحة ماذهبوا إليه، وقالوا: إن هذا يوجب أن يكون عين الحق هو عين أعضائه.

والحق أن هذا الحديث حجة عليهم كما سنوضحه، فإن الذي عليه أهل السنة أن معنى هذا الحديث: هو الذي يدل عليه ظاهره من أن الله يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، وتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى، طاعة وامتثالا، فلا يصغي بسمعه ولا يرى ببصره، إلا ما يرضي الله تعالى ويكون هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى.

وليس ظاهره أن الله تعالى يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، كما يقول أهل الحلول.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والحديث حق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله وعمله لله وبالله؛ فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه وما يراه مما يحبه الحق أحبه وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته:" اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي نورا " ([30] ( http://majles.alukah.net/#_ftn30)) . فولي الله فيه من الموافقة لله: ما يتحد به المحبوب والمكروه والمأمور والمنهي ونحو ذلك فيبقى محبوب الحق محبوبه ومكروه الحق مكروهه ومأمور الحق مأموره وولي الحق وليه وعدو الحق عدوه. ([31] ( http://majles.alukah.net/#_ftn31))

وقال الشيخ ابن عثيمين: معنى هذا الحديث:" هو أن الله تعالى يسدد هذا الولي بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصا، وبالله تعالى استعانة، وفي الله تعالى شرعا واتباعا، فيتم له كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة" ([32] ( http://majles.alukah.net/#_ftn32))

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015