وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضي المأمور به والمبغض المكروه المنهي عنه. ([19] ( http://majles.alukah.net/#_ftn19))

وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: التردد وصف يليق بالله لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وليس كترددنا، والتردد المنسوب لله لا يشابه تردد المخلوقين، بل هو تردد يليق بالله سبحانه وتعالى كسائر صفاته جل وعلا. ([20] ( http://majles.alukah.net/#_ftn20))

المسلك الثاني: تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره، وذلك بنفي صفة التردد عن الله تعالى، وإلى هذا ذهب الشوكاني، وهو مسلك أهل التاويل من شراح الحديث وغيرهم. ([21] ( http://majles.alukah.net/#_ftn21))

وقد ذكروا عدة تأويلات حملوا الحديث عليها، منها:

ماذهب إليه الخطابي وغيره حيث قال: التردد في حق الله عز وجل غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، وتأويله على وجهين:

أحدهما: أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك، مرات ذوات عدد من داء يصيبه، وآفة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع مكروهها عنه، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له في ذلك فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر البقاء لنفسه ..

الثاني: وهو أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روي في قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما، وما كان من لطمة عينه، وتردده عليه مرة بعد أخرى، وتحقيق المعنى في الوجهين معا: عطف الله عز وجل على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه. ([22] ( http://majles.alukah.net/#_ftn22)).

وذهب بعضهم؛ كابن الجوزي إلى احتمال أن يكون المعنى: أن يكون تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنة، وعمره الذي كتب له سبعون، فإذا بلغها فمرض دعا الله بالعافية فيحييه عشرين أخرى مثلا، فعبر عن قدر التركيب وعما انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب بالتردد. ([23] ( http://majles.alukah.net/#_ftn23)).

وذهب الشوكاني إلى أن التردد كناية عن محبة الله لعبده المؤمن أن يأتي بسبب من الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض الذي وقع فيه، حتى يطول به عمره، من دعاء، أو صلة رحم، أو صدقة، فإن فعل مد الله له في عمره بما يشاء، وتقتضيه حكمته، وإن لم يفعل حتى جاء أجله، وحضره الموت، مات بأجله الذي قضى عليه إذا لم يتسبب بسبب يترتب عليه الفسحة له في عمره، مع أنه وإن فعل ما يوجب التأخير، والخلوص من الأجل الأول، فهو لابد له من الموت بعد انقضاء تلك المدة التي وهبها الله سبحانه له.

فكان هذا التردد معناه: انتظار ما يأتي به العبد مما يقتضي، تأخير الأجل، أو لا يأتي فيموت بالأجل الأول".

قال: وهذا معنى صحيح لايرد عليه إشكال، ولا يمتنع في حقه تعالى، مع أنه سبحانه يعلم أن العبد سيفعل ذلك السبب أو لا يفعله، ولكنه لا يقع التنجيز لذلك المسبب إلا بحصول السبب الذي ربطه جل وعلا به. ([24] ( http://majles.alukah.net/#_ftn24))

ولا ريب أن المسلك الأول هو المسلك الجاري على قواعد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وذلك بحمل الحديث على ظاهره، وإثبات التردد صفة لله تعالى على مايليق بجلاله وعظمته.

ومن أوّل الحديث معتقدا تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، فقد أساء الأدب مع رسول الله، لأنه هو الذي وصفه بذلك، وهو أعلم الناس بربه، "وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدبا بل يجب تأديبه وتعزيره ويجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظنون الباطلة؛ والاعتقادات الفاسدة. ([25] ( http://majles.alukah.net/#_ftn25))

فإذا كان تردد المخلوق معناه: "التوقف عن الجزم بأحد الطرفين" ([26] ( http://majles.alukah.net/#_ftn26))، فإن هذا المعنى لا يدل عليه الحديث؛ لأن الحديث صريح في الجزم بأحد الطرفين حيث قال: " وما ترددت عن شيء أنا فاعله"؛ أي: سأفعله ولابد؛ لأنه تعالى قد قضى على عباده بالموت، فقال (كل نفس ذائقة الموت) [آل عمران:185]، يؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض طرق الحديث بعد قوله:" يكره الموت وأكره مساءته" زيادة:" ولا بد له منه ".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015