وللدكتور سعد المرصفي رسالة قيمة تحت عنوان" دفاع عن الحديث القدسي"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب" في ضوء أصول التحديث رواية ودراية، ورد الشبهات ودحض المفتريات" ([15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15)) ضمن سلسة قيمة للدفاع عن الحديث النبوي.
فأفاض في شرح هذا الحديث سندا ومتنا، ورد على كل ما اشتبه وطعن على هذا الحديث.
استشكال نسبة التردد إلى الله في الحديث.
إذا تبين لنا من خلال ما سبق أن الحديث صحيح صالح للاحتجاج، فهل التردد المضاف إلى الله تعالى في الحديث يكون صفة لله تعالى أو ماذا؟
الجواب عن هذا أن أهل العلم لهم في هذا مسلكين:
المسلك الأول: إجراء الحديث على ظاهره، والأخذ بمدلوله في إثبات التردد صفة لله تعالى، على مايليق بجلاله وعظمته، مع القطع بكون تردده سبحانه وتعالى ليس كتردد المخلوق؛ لأنه جل وعلا (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فلا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ([16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16))
وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، عليهما رحمة الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سئل عن هذا الحديث: هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله أعلم بالعواقب. وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد.
والتحقيق: أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس؛ وأجهلهم وأسوئهم أدبا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة.
ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه كما قيل:
الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب وفي الصحيح " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " ([17] ( http://majles.alukah.net/#_ftn17)) وقال تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث، فإنه قال: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه".
فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبا للحق، محبا له، يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة، بحيث يحب ما يحبه محبوبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه.
والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادا للحق من وجه، مكروها له من وجه.
وهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته. ([18] ( http://majles.alukah.net/#_ftn18))
وقال: فبين سبحانه أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه يحب ما يحب عبده ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال وأنا أكره مساءته، وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد له أن يموت فسمى ذلك ترددا ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك.
¥