وللأئمة كلامٌ في أن مروان بن معاوية كثير الراوية عن المجاهيل.

وربما كان كل هذا عائدًا إلى احتمال كون المجاهيل من شيوخه معروفين بالضعف والترك، إلا أنه غير أسماءهم؛ فأضحوا مجاهيل عند أهل الفن، وهذا ما لم يتحقق في شيخه هنا.

ثم إن شيخ ابن أبي شميلة هنا: سلمة بن عبيدالله بن محصن؛ مجهول أيضًا، قال الإمام أحمد -في العلل ومعرفة الرجال (2/ 527 - رواية عبدالله): (لا أعرفه)، وقال العقيلي -في الضعفاء (2/ 547 ط. السرساوي) -: (مجهولٌ في النقل، ولا يتابع على حديثه من جهةٍ تثبت، ولا يُعرف إلا به).

وإن كان ابن حبان ذكره في الثقات (6/ 398).

ويستخلص من المبحث السابق أنه قد اجتمعت في هذا الإسناد أسباب الضعف الآتية:

أولاً: تفرُّد مروان بن معاوية به، وهو في طبقةٍ متأخرة؛ طبقةِ شيوخ الأئمة، وقد قال الذهبي -في الموقظة (ص77) -: (وقد يسمي جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرًا).

ثانيًا: جهالة حال عبدالرحمن بن أبي شميلة.

ثالثًا: كون الإسناد من رواية مروان بن معاوية عن أحد المجاهيل، وفي روايته عن المجاهيل ضعف ونكارة.

رابعًا: جهالة حال سلمة بن عبيدالله بن محصن.

خامسًا: كونه من مفردات المجاهيل، فتفرَّد به عبدالرحمن بن أبي شميلة -كما حكم الدارقطني-، وتفرَّد به سلمة بن عبيدالله بن محصن -كما حكم العقيلي-، وضمَّ ذلك الترمذيُّ في حكمه على الحديث بالغرابة.

سادسًا: نكارة رفع متن الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وشَبَهُهُ بأحاديث الضعفاء والمتروكين، كما ذكر العقيلي.

وقد شبَّه العقيلي لين هذا الحديث بلين حديث أبي الدرداء، قال -في الضعفاء (2/ 548 ط. السرساوي): (وقد رُوي مثل الكلام عن أبي الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ بإسنادٍ يشبه هذا في اللين)، وحديث أبي الدرداء فيه راوٍ متهم بالكذب، وروى أحاديث بواطيل -كما سيأتي-.

ومن حق هذا الإسناد بعد ذلك أن يوصف بأنه (منكر)، وألا يستفيد ولا يستفاد منه عضد ولا تقوية.

هذا مع أنه أصح أسانيد هذا الحديث؛ نصَّ على هذا البيهقي -في شعب الإيمان (13/ 11) -.

ولهذا فقد تردد العلماء في إثبات صحبة عبيدالله بن محصن بهذا الإسناد، واختلفوا في ذلك:

فسئل ابن معين -كما في رواية أبي خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان عنه (ص98) -: روى مروان، عن عبدالرحمن بن أبي شميلة، عن [سلمة بن] عبيدالله بن محصن الأنصاري، عن أبيه؛ له صحبة؟ قال: (أشبهه)، ولعل مراد ابن معين بذلك: أن الأمر قريب في إثبات الصحبة لعبيدالله بن محصن،

وقال البخاري -في التاريخ (5/ 372) -: (له صحبة)،

وقال أبو حاتم الرازي -كما في المراسيل (ص119) -: (يُدخَل في المسند، ولا ندري له صحبة أم لا؛ لأنه شيخ مجهول)،

وأثبت صحبتَه ابنُ حبان -في الثقات (3/ 248) -،

وقال ابن السكن -كما في الإصابة (4/ 402) -: (يُقال: له صحبة، وفي إسناده نظر)،

وقال أبو نعيم -في معرفة الصحابة (4/ 1874) -: (رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأدركه)،

وقال ابن عبدالبر -في الاستيعاب (3/ 1013) -: (منهم من جعل هذا الحديث مرسلاً، وأكثرهم يصحح صحبة عبيد الله بن محصن هذا، فيجعله مسندًا)، ولم أجد من روى الحديثَ مرسلاً -كما ذكر ابن عبدالبر-.

والراجح عدم إثبات الصحبة؛ لضعف الإسناد، بل نكارته، وأما إثبات بعض الأئمة لها؛ فربما أثبتها بعضهم لا اعتمادًا وتصحيحًا، بل حكاية للإسناد الذي وقعت به روايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وربما كان بعضهم لا يعتمد على هذا الإسناد، بل على ذكرٍ لعبيدالله بن محصن في غيره، والله أعلم.

تنبيه: قد أعلَّ الشيخ الألباني حديثًا بعبدالرحمن بن أبي شميلة، قال -في الضعيفة (13/ 906) - في سياق علله: (الثالثة: الراوي عنه: عبدالرحمن بن أبي شميلة: مجهول الحال، قال ابن المديني: "لا أعلم روى عنه غير حماد بن زيد ومروان بن معاوية"، ولم يوثقه غير ابن حبان (7/ 79)، وقال الحافظ:

"مقبول" أي: عند المتابعة، وإلا فليِّن الحديث عند التفرد -كما هنا-) ا. هـ.

ولم يلتفت الشيخ -رحمه الله- إلى هذه العلة في حديثنا هذا.

2 - تخريج حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-:

أ- رواية عطية العوفي عنه:

# التخريج:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015