وعبدالرحمن بن أبي شميلة هذا ذكره ابن حبان في الثقات (7/ 79)، ولم أجد فيه لغيره توثيقًا.
وروى عنه: حماد بن زيد، ومروان بن معاوية، قال ابن المديني -كما في تهذيب الكمال (17/ 175) -: (لا أعلم أحدًا روى عنه غيرهما).
وقال ابن معين -كما في الجرح والتعديل (5/ 244، 245) -: (عبدالرحمن بن أبي شميلة الذي روى عنه حماد بن زيد؛ مشهور)، وقال أبو حاتم الرازي -كما في الجرح (5/ 245) -: (عبدالرحمن بن أبي شميلة هو مشهور برواية حماد بن زيد عنه).
والشهرة هنا لا تفيد الجرح أو التعديل، بل تفيد أنه معروف في جملة الرواة، وأن رواية حماد بن زيد عنه مشهورة، وهي كذلك؛ فقد جاءت عن كبار الشيوخ عن حماد، كعفان ومسدد وسليمان بن حرب ويونس بن محمد المؤدب وغيرهم.
ويشبه أن كلمة أبي حاتم إنما هي في تفسير كلمة ابن معين، وأن الشهرة فيها إنما هي شهرته برواية حماد بن زيد عنه.
قال ابن القطان -في بيان الوهم والإيهام (3/ 605، 606) -: (وهو أيضًا لا تعرف حاله، وإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: "مشهور"؛ فإنما يعنيان: برواية حماد بن زيد عنه، وكم من مشهورٍ لا تقبل روايته).
فابن أبي شميلة هذا مجهول الحال.
وله حديث معروف رواه عنه حماد بن زيد في فضل الأنصار، وقد اختلف الرواة عن حماد في شيخ ابن أبي شميلة، فقيل: عن رجل عن سعيد الصراف، وقيل: عن سعيد الصراف، وقيل بالشك بينهما، وربما كان الاضطراب من ابن أبي شميلة نفسه، وليس هذا موضع التحرير في ذلك الحديث.
هذا؛ وقد رأى العقيلي أن ابن أبي شميلة هو محمد بن سعيد المصلوب، وهو كذاب وضاع هالك:
قال العقيلي -في الضعفاء (2/ 548، 549 ط. السرساوي) -: (ولا أبعد أن يكون عبدالرحمن بن أبي شميلة هذا هو محمد بن سعيد المصلوب؛ لأن مروان بن معاوية يغير اسمه على أنواع كثيرة، فلعل سعيدًا هذا هو أبو شميلة، وجعله عبدَالرحمن وهو كذلك؛ لأن الألفاظ في هذا الحديث تشبه ألفاظَه).
فاحتج العقيلي على كلامه بأمرين:
الأول: أن مروان بن معاوية روى عن محمد بن سعيد المصلوب، وغيَّر اسمه إلى أسماء متعددة، وقد كان معروفًا بتدليس الشيوخ وتغيير أسمائهم.
وذكر العقيلي وجهَ تغيير اسم محمد بن سعيد المصلوب إلى عبدالرحمن بن أبي شميلة، فإن الرجل عبدٌ للرحمن، ولعل سعيدًا أباه يكنى أو يلقب بأبي شميلة.
الثاني: نكارة متن هذا الحديث من جهة رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكون ألفاظه تشبه ألفاظ محمد بن سعيد المصلوب في أحاديثه المطروحة والمنكرة.
وقد ناقش عبدالغني بن سعيد الأزدي قول العقيلي المذكور، قال -كما في تهذيب الكمال (25/ 268) -: (وقال أبو جعفر العقيلي: "إن عبدالرحمن بن أبي شميلة هو محمد بن سعيد المصلوب، وإن قولهم: عبدالرحمن بن أبي شميلة أحدُ الأسماء التي غُيِّر بها اسم محمد بن سعيد"، وما صنع شيئًا، وإنما ذكرت قولَه هاهنا وحكيته عنه لئلا يظن ظانٌّ أني تركت قولاً قاله قائل هو أهل الحديث.
وأنا أقول: إن عبدالرحمن بن أبي شميلة هذا غير محمد بن سعيد، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدث عنه مروان بن معاوية، وحماد بن زيد، وأحد الحجج في رد قول العقيلي -لو لم يعرف نسب عبدالرحمن-: روايةُ حماد بن زيد عنه، لان حماد بن زيد لا يدلس، ولا ينقل اسمًا إلى اسم).
فاحتجَّ الأزدي في رد كلام العقيلي بأمور:
الأول: نسب ابن أبي شميلة؛ فإنه أنصاري قبائي (من أهل قباء)، وقد جاء نسبه كذلك في رواية مروان بن معاوية لحديثنا هذا عنه.
الثاني: أن حماد بن زيد روى عن ابن أبي شميلة باسمه هذا، وحماد بن زيد لا يدلس، ولا يغير اسم راوٍ إلى اسم آخر -كما هو معروف عن مروان بن معاوية-.
وقول عبدالغني أقوى، وبقي في قول العقيلي فائدة يأتي ذكرها -إن شاء الله-.
وإذا ثبت أن عبدالرحمن بن أبي شميلة رجلٌ مجهول؛ فإن في رواية مروان بن معاوية عن المجاهيل نكارةً وضعفًا، قال عبدالله بن علي بن المديني -كما في تاريخ بغداد (13/ 151) -: وسألته -يعني: أباه- عن مروان بن معاوية الفزاري؟ فقال: (ثقة فيما روى عن المعروفين)، وضعَّفه فيما روى عن المجهولين. وقال العجلي -كما في معرفة الثقات (2/ 270 - ترتيبه): (كوفي ثقة، وما حدث عن الرجال المجهولين؛ فليس حديثه بشيء)، وقال: (ما حدث عن المعروفين؛ فصحيح، وما روى عن المجهولين؛ ففيه ما فيه، وليس بشيء).
¥