وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره عن العباس، وابن مسعود، وعن علي، وابن عباس في إحدى الروايتين عنهما، وعن الأحنف، وعن ابن ميسرة، وزيد بن أسلم، ومسروق، وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه، وعطاء، والشعبي، وكعب الأحبار، أن الذبيح (إسحاق).
وعن ابن عباس في أشهر الروايتين عنه، وعن علي في احدي الروايتين، وعن أبي هريرة، ومعاوية، وابن عمر، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي في إحدى الروايتين عنهما، ومجاهد، والحسن، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر الباقر، وأبي صالح، والربيع بن أنس، وأبي عمرو بن العلاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن إسحاق؛ أن الذبيح (إسماعيل).
ويؤيده ما تقدم، وحديث: "أنا بن الذبيحين" رويناه في الخلعيات من حديث معاوية، ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه، وابن أبي حاتم عن أبيه، وأطنب ابن القيم في (الهدي) في الاستدلال لتقويته، وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} إلى قوله: {إني أرى في المنام أني أذبحك}، وقوله في هود: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق} إلى قوله: {وهذا بعلي شيخا}؛ قال: ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين، الأولى عن طلب من إبراهيم، وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجيء له الولد، وجاءته الملائكة عندما أمروا بإهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق، فتعين أن يكون الأول إسماعيل. ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره، وأنه ولد قبل إسحاق.
قلت: وهو استدلال جيد، وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} فإنه يعكر على قوله: إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته، لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة إلى أن كان من إخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا، وأخرجه الطبري في (تاريخه) من طريقه، وأخرج الطبري من طريق السدي قال: انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقي سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها، فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة، وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر، فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد.
ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق}، ويقال: لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين، وقيل: كان بينهما أربع عشرة سنة، وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة. والله أعلم).
· قال القرافي في (الذخيرة 4/ 160):
(قال مالك: الذبيح (إسحاق)، وقال ابن حبيب وأهل العراق وأكثر العلماء: (إسماعيل) لقوله عليه السلام: "أنا ابن الذبيحين" يعني عليه السلام أباه إسماعيل وأباه عبد الله، لأن جده عبد المطلب نذر إذا بلغ ولده عشرة أن ينحر منهم واحدا فلما أكملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح ليذبح من خرج قدحه وكتب اسم كل واحد على قدح فخرج قدح عبد الله ففداه بعشرة من الإبل ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرين إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزور فنحرها وسن الدية مائة.
ولأن الذبح كان بمنى، وإسحاق كان بالشام.
ولقوله تعالى بعد قصة الذبيح: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} فدل على أن صاحب القصة غير المبشر به.
ولقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال أئمة اللغة: والوراء ولد الولد؛ ومن المحال أن يبشره بأنه يعقب ثم يأمره بذبحه فيعتقد الخليل عليه السلام الذبح).
· وقال الفاكهي في (أخبار مكة 5/ 126):
¥