(وقد قال الناس في الذبيح ما قالوا، فقالت العرب: هو (إسماعيل)، وقالت طائفة من المسلمين وأهل الكتاب جميعاً: أنه (إسحاق)، فإن أقوال العرب في ذلك أثبت.
فإن الله تعالى عبر عن قصة إسماعيل بقوله: {فبشرناه بغلام حليم} إلى قوله: {إنه من عبادنا المؤمنين}، وأخبر عن قصة إسحاق بقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، وإن ذكر قصة إسحاق بعد القصة التي قبلها دليل على أن إسحاق غير الذبيح، وأن ذلك يتأيد بكون سارة بشرت بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ويعقوب هو ابن إسحاق والبشارة بيعقوب تقتضي حياة أبيه لتصح البشرى فكيف يؤمر بذبح ابنه؟!).
· وقال ابن عابدين في (حاشيته 2/ 178):
(المختار أن الذبيح إسماعيل. قوله: والمختار أن الذبيح إسماعيل؛ وفي أول الحلية أنه ظهر القولين أهـ.
قلت: وبه قال أحمد؛ ورجحه غالب المحدثين. وقال أبو حاتم: إنه الصحيح. والبيضاوي: إنه الأظهر.
وفي (الهدي): أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والقول بأنه إسحاق مردود بأكثر من عشرين وجهاً، نعم ذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين ونسبه القرطبي إلى الأكثرين، واختاره الطبري، وجزم به في (الشفاءة وتمامه في شرح الجامع الصغير) للعلقمي عند حديث الذبيح إسحاق.
قال في (البحر): والحنفية مائلون إلى الأول، ورجحه الإمام أبو الليث السمرقندي في (البستان) بأنه أشبه بالكتاب والسنة.
فأما الكتاب؛ فقوله: {وفديناه بذبح عظيم} ثم قال بعد قصة الذبح: {وبشرناه بإسحاق}.
وأما الخبر؛ فما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "أنا ابن الذبيحين" يعني أباه عبد الله وإسماعيل، واتفقت الأمة أنه كان من ولد إسماعيل.
وقال أهل التوراة: مكتوب في التوراة أنه كان إسحاق، فإن صح ذلك فيها آمنا به. أهـ
ونقل (ح) عن الخفاجي في (شرح الشفاء): أن الأحسن الاستدلال بقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} فإنه مع إخبار الله تعالى أباه بإتيان يعقوب من صلب إسحاق لا يتم ابتلاؤه بذبحه؛ لعدم فائدته حينئذ. أهـ
أي: لأنه أمر بذبحه صغيراً؛ فلا يمكن أن يكون الأمر بعد خروج يعقوب من صلبه فافهم).
· وقال في (الحاشية 6/ 754):
(وينبغي أن لا يسأل الإنسان عما لا حاجة إليه؛ كأن يقول: كيف هبط جبريل؟ وعلى أي صورة رآه النبي حين رآه على صورة البشر؟ هل بقي ملكا أم لا؟ وأين الجنة والنار؟ ومتى الساعة ونزول عيسى؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق؟ وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم لا؟ وأبوا النبي كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟ ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا تجب معرفته ولم يرد التكليف به).
· وقال الطحطاوي في (حاشيته على مراقي الفلاح ص354):
(والمختار أن الذبيح إسماعيل عليه السلام، وفي القاموس أنه الأصح).
· وقال ابن أمير الحاج في (التقرير والتحبير 3/ 69):
(اختلف في الذبيح؛ قال أبو الربيع الطوفي: فالمسلمون على أنه إسماعيل، وأهل الكتاب على أنه إسحاق، وعن أحمد فيه القولان. انتهى
ويعكره ما في (الكشاف)؛ فعن ابن عباس، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي، وجماعة من التابعين؛ أنه إسماعيل، وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والعباس، وعطاء، وعكرمة، وجماعة من التابعين؛ أنه إسحاق.
وعزى الفقيه أبو الليث الأول إلى مجاهد، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي. والثاني إلى ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن سلام. قال: وهكذا قال أهل الكتابين.
وذكر كونه (إسحاق) عن الأكثرين المحب الطبري، وكونه (إسماعيل) عنهم النووي، وصحح القرافي أنه إسحاق، وابن كثير أنه إسماعيل؛ وزاد: ومن قال إنه إسحاق فإنه تلقاه مما حرفه النقلة من بني إسرائيل. انتهى
وذكر الفاكهي: أنه أثبت. والبيضاوي: أنه الأظهر، وهو كذلك إن شاء الله تعالى، وعليه مشى المصنف في مسألة: يجوز بأثقل، والحجج من الطرفين لها موضع غير هذا).
· وقال ابن كثير في (تفسيره 2/ 453):
¥