الإشكال إنما يأتي بالأساس من منهج الاستدلال وطريقة النظر كما أسلفتُ في المشاركة الأولى ..
وكلام ابن خلدون رحمه الله فيما تفضلتم بنقله أخي الواحدي هو كما يظهر أشد إغراقا في هذا المهيع مما نرى في استشكال ابن حجر رحمه الله .. وبينما كان الحافظ مستشكلا متوقفا فيما أشكل عليه، نرى ابن خلدون رحمه الله يدفع بنفسه في ذلك الطريق دفعا، يحاجج بما معه فيه ويأخذ ويرد، وما كان يلزمه ذلك أصلا كما سيأتي.
دعني أنبه ابتداءا إلى فرق ظاهر بين السياقين، سياق إيراد الحافظ في الفتح وسياق كلام ابن خلدون المنقول. فأقول إنه لما كان كلام الحافظ في معرض الاستشكال على فهم السابقين لحديث صحيح بمثل هذه الأمور (بقايا ما ينسب إلى ثمود ونحوهم من البنايات والديار)، جاء الخلل عنده من جهة الانتهاض بمثل هذه الأشياء إلى منزلة تأويل نص من نصوص السنة بها والاستشكال على ظاهر معناه .. أما ابن خلدون فنراه – في المقابل - يورد كلامه ذاك ردا على أصحاب الأساطير وعلى الفلاسفة الذين زعموا أن الخلق كله في تناقص مطلق في كل شيء، كأن الكون ماض في انهيار وتفكك يتهدم شيئا بعد شيء من يوم أن خلقه الله إلى يوم القيامة، وكأن القيامة ستقوم يوم لا يبقى في الكون قوة تجمع بعضه إلى بعض من سوء ما بلغ به حاله!! وهذا باطل بين لا يخفى بطلانه .. وبينما كان يكفي للجواب عليه أن يقال للفيلسوف أن انظر إلى إحكام صنعة الكون ونظمه وانضباطه في كل صغيرة وكبيرة، ((هل ترى من فطور))، نجده يحشد مشاهدات حسية (بفرضيات أصحاب التاريخ الظنية في تفسيرها) على أنها يمكن ترجيها وتغليبها على تلك الفرضيات الفلسفية في مقابلها، وليس هذا بما يسلم من الأخذ والمجاذبة من جانب من يجادله، بل هو مردود عليه كما سيأتي ..
وقد نلتمس عذرا لابن خلدون في أنه لم يكن في معرض دراسة نص نبوي تأويلا وتوجيها كما كان الحال مع الحافظ رحمهما الله .. وكلامه كان من باب الرد على كلام متهافت بصنوف الأدلة التي يعظمها المردود عليه .. غير أنني قدمت بأنه أغرق في ذلك وما كان يلزمه أن يفعل، فبيان بطلان وتهافت تلك الفلسفة التي أشار إليها لا يحتاج إلى التعويل على كلام قد يثبت بطلانه هو الآخر بمشاهدات أخرى من مثله وعلى درجته في قوة الاستدلال في بابها (تاريخ الأمم السابقة عند أصحاب التاريخ: ثم أصحاب الأركيولوجيا في زماننا) فتسقط حجته بذلك ويأتي من بعده من يتخذ من كلامه هذا مادة للتندر!
فالحكمة تقتضي أن ينقب المناظر أو المحاجج عن أقوى الحجج ليقدم الكلام بها حتى لا يطول عليه الطريق .. وهذا يأتي من حسن تقدير منازل الأدلة وقوة الدلالة فيها، وتفاوتها في ذلك من صناعة إلى صناعة ومن فن إلى فن.
والذي يظهر من كلام ابن خلدون في الحقيقة يخالفه الظن به، من كون مثله لا يغفل عن نص في منزلة حديث خلق آدم وما أثبت النبي عليه السلام فيه من تناقص للخلق (خلق البشر) إلى يوم نزول الوحي بهذا المعنى .. فلا أدري كيف يمكن توجيه تلك النقولات من غير تخطئته فيها، والله المستعان!
تأمل قوله هذا: " لا تتوهَّمْ ما تتوهّمه العامّة أنَّ ذلك لعِظَم أجسام الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها، فليس بين البشر في ذلك كبير بون كما تجد بين الهياكل والآثار.
ولقد ولع القُصَّاص بذلك وتغالوا فيه، وسطروا عن عاد وثمود والعمالقة في ذلك أخباراً عريقة في الكذب، من أغربها: ما يحكون عن عوج بن عناق، رجُلٍ من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام؛ زعموا أنه كان لطوله يتناول السمك من البحر ويشويه إلى الشمس! "
قلت لا شك أن في كلام أصحاب الأساطير إفراطا وخرافات .. ولكن هذا لا تقوم به الحجة في إبطال ما يريد إبطاله! فكلامه هنا ظاهره إنكار عظم خلق الأولين مطلقا، وهذه مجاوزة ومجازفة منه رحمه الله .. فليت شعري كيف هو من الحديث الذي بين أيدينا؟ وكيف هو من مثل قول الله تعالى: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [الروم: 9]
وقوله رحمه الله:
¥