"واعلمْ أنَّ تلك الأفعال للأقدمين إنما كانت بالهندام، واجتماع الفعَلة، وكثرة الأيدي عليها؛ فبذلك شيدت تلك الهياكل والمصانع"
هذا محض افتراض منه، فمن أين أتته البينة به حتى يقرر هذا التقرير؟
بل إن شئنا اليوم أن نثبت له بطلان هذا المعنى (معنى الاكتفاء بما ذكر من ترتيبات ليتمكن بشر في مثل أجسامنا من بناء كثير من تلك المباني الكبرى التي خلّفها الأولون) لسهل علينا هذا جدا، بنفس ذلك الطريق الذي سلكه في الاستدلال ولكن بفارق عدة قرون من تراكم المعارف التجريبية والنظريات المبنية عليها .. فيكفي أن نسأله: كيف يمكن أن تنقل قطعة حجر تزن سبعين طنا (من بعد قطعها من مكانها بهذه الدقة ابتداءا) لتُرص مثل هذا الرص المحكم العجيب في بنيان هرم الجيزة "بالهندام واجتماع الفعلة وكثرة الأيدي عليها" كما يقول؟ لا شك أنه لو علم - رحمه الله - أوزان تلك الأحجار وما يلزم بشرا بمثل أجسامنا تلك من "ترتيبات" لمجرد خلعها من مكانها فضلا عن تحريكها ونقلها ثم رصها كقوالب الطوب مع مراعاة التوجيه الفلكي للمجاري والأنفاق داخل بنيان الهرم المصمت على هذا النحو الذي نراه .. لأعاد النظر! فالمسألة ليست بالسهولة التي تصورها رحمه الله .. إن القوم المفتونين بهذا البنيان في زماننا لا يسمونه "بالمعجزة" إلا لأننا نعجز حقا عن بناء بنيان مثله حتى مع ما توصلنا إليه من تقنيات! ولكن بالنسبة لرجل طوله يقارب الثلاثين مترا، فإن المقاييس حينئذ تختلف!! هذا وحدِّث ولا حرج عن بقايا الديناصورات وما يسمى بالميجافاونا Mega-fauna( كالماموث وغيره من هياكل لدواب كثيرة عملاقة)، وكلها تدخل في جنس (الهياكل والآثار) التي اتخذ هو منها دليلا!
وقوله: " وأطوال بني إسرائيل وجسمانهم لذلك العهد قريبة من هياكلنا"
قلت فمن الذي تكلم عن ذلك العهد؟ ومن الذي قال أن عدم وجدان الأثر دليل على العدم؟ هذا فساد واضح في الاستدلال!
أما كلام المسعودي في " انحلال القوى الطبيعية" وقوله " لم يزل يتناقص، لنقصان المادة" و" ثم لا يزال يتناقص إلى وقت الانحلال وانقراض العالم" فكل هذا كما قال فيه: تحكم باطل لا برهان عليه! ولكن ما كان يلزمه الخوض في تلك المجازفات حتى يثبت بطلانه وتهافته، والله المستعان.
أما قول ابن خلدون بأن النبي عليه السلام قد أشار إلى أنها ديارهم يعني بذلك ديار ثمود، فما وقفت على نص صحيح بهذا المعنى، بمعنى إثبات نسبتها إلى ثمود .. وفي جميع الأحوال فلا إشكال حتى على التسليم بأنها هي ديار ثمود، كما تقدم في المشاركة الآنفة ..
فالحاصل أنه هو الذي تحكم بغير بينة رحمه الله وما كان له ذلك ..
هذا والله أعلى وأعلم.