وقد كتبتُ قبل مدة طويلة مبحثًا في توضيح بعض ما يُثار حول الدعوة إلى منهج المتقدمين في نقد الحديث النبوي.
فذكرت من ذلك: مسألة (الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين):
وهذه المسألة يُسارع بعض من يخالف هذه الدعوة إلى طرحها وإبدائها، مع أنها ضعيفة غاية، وليست مفيدة لا في إبطال هذه الدعوة ولا في إضعافها.
والنظر فيها من وجوه:
1 - المتقدمون والمتأخرون اصطلاح اصطلحه بعض العلماء، ولا مشاحة في الاصطلاح، وقد سماه بعضهم: منهج الفقهاء والأصوليين ومنهج المحدثين، والمؤدَّى واحدٌ أو قريب.
2 - يظن البعض أن معتمد من فرَّق بين المنهجين هو قول الذهبي في مقدمة الميزان (1/ 4): «فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة»، ثم بنى من ظنَّ هذا الظن اعتراضات واستشكالات، مثل: موقع ابن حبان من المنهجَيْن، وكذا الدارقطني ... إلخ.
والذهبيُّ إنما كان يتكلم في الحد في مسألة الرواة ورجال الحديث، ومن يتكلّم فيه منهم في كتابه ومن يترك، فسياق عبارته: «وكذلك من قد تُكُلِّم فيه من المتأخرين؛ لا أُورِدُ منهم إلا من قد تبين ضعفه واتضح أمره من الرواة، إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدثين والمقيّدين والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين، ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره، فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة، ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم من إلا القليل، إذ الاكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر».
فليس في كلمة الذهبي معتمدٌ في شأن نقد الحديث وتصحيحه وتضعيفه.
3 - الحق أن التفريق إنما هو في (المنهج) وليس في (الزمن)، وإن كان للزمن دور مهم في اختلاف المنهج.
فالمنهج الذي سلكه جماعة من الأئمة الذين كانوا في زمن متقدم هو المنهج الصواب، فمن سلكه أيًّا كان، وفي أي زمن كان= فهو سائر على منهج المتقدمين.
وأشهر الأئمة المتقدمين الذين يُدعى إلى منهجهم وطريقتهم هم جماعةٌ تقارب الزمن الذي عاشوا فيه، وهي حقبة "متقدمةٌ" عن زمان من تأخر عنهم من المحدثين وغيرهم، ولذا اصطُلح على تسميتهم (المتقدمين)، وهذا الذي دعى إلى الظن بأن التفريق زمني لا منهجي.
ومع تقدم الزمن أخذ منهج أولئك الأئمة يخبو ويضعف؛ لأسباب متنوعة، وإن كان يظهر بين زمن وآخر من يرتسم منهجهم، ويسلك طريقتهم.
والذي يُدعى إلى اتباعه وسلوك منهجه ليسوا أئمةً محصورين في زمن معين، بل يُدعى إلى اتباع منهج مَنْ كان في الزمن الأول ومَنْ سار عليه في سائر العصور.
ولهذا فالداعي إلى منهج الأئمة المتقدمين ينتقد ابن حبان (ت 354) في تصحيحاته ومخالفته ذلك المنهج، ويعتبر الدارقطني (ت 385) فيمن سار عليه وارتسمه، وينتقد الحاكم (ت 405) على مخالفته إياه. فالقضية ليست بالزمن بقدر ما هي بالمنهج.
4 - اعتبار كون الحد الفاصل بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين هو سنة معيّنة= مخالفٌ للعقل والواقع، فاعتماده -ولا أدري من اعتمده-، ثم طرحُهُ إشكالاً= في غاية الضعف:
- فأما مخالفته للعقل: فمن غير المتصوّر أن منهج النقد الحديثي يكون على طريقةٍ معينة آخر يوم في ذي الحجة، وينقلب إلى طريقة أخرى مباينة أول يوم من محرم!!
ومن غير المتصوّر أن الإمام الذي عاش قبل الحد الفاصل وبعده يسير على منهج المتقدمين أول حياته، فما إن بدأت تلك السنة حتى انقلبت طريقته وتبدلت!
- وأما مخالفته للواقع: فلا أدلَّ عليه من أن منهج المتقدمين موجود في زماننا هذا، بل ربما لم يخلُ قرنٌ من وجود من سار على طريقتهم ومنهجهم، علمناه أو جهلناه.
5 - ربما كان تقسيم مناهج الأئمة باعتبار وجودهم في عصر الرواية أو بعده كتقسيم مناهجهم باعتبار الحد الزمني الفاصل، ومقصود من ذكر ما قبل عصر الرواية وما بعده: أن الأئمة الأقرب إلى عصر الرواية كانوا أقرب إلى ذلك المنهج وألزم له، وكلما بعد الزمن قلَّ ذلك؛ وذلك له أسباب متنوعة - كما سبق-.
ـ[فواز الحر]ــــــــ[25 - Sep-2009, مساء 08:30]ـ
جزاك الله خيرًا شيخنا أبا عبدالله.
لقد قلتَ ما في نفسي من أن هذا التفريق منهجيٌ أكثر من كونه زمنيًا.
على أنك ممن يُصنَّف ضمن قائمة (المليباريين!!) في بعض المنتديات التي لا هم لها سوى القيل والقال. (ابتسامة عريضة).
نفع الله بك.
ـ[أبو عبد البر رشيد]ــــــــ[25 - Sep-2009, مساء 08:35]ـ
حق أن هناك فرق بين مذهب المتقدمين و مذهب المتأخرين و أن الفرق مذهبي لا زمني
فإن سلوك المنهج النبوي يختلف فيه الناس في إحصائه و لن يحصيه أحد
فمنهج التصحيح و التضعيف أصله الوحي الشرعي.
و ليس أمرا مبتدعا إن كنت تضن ذلك
يقول النبي صلى الله عليه و سلم (إياكم و الضن فإن الضن أكذب الحديث)
هذا في العدالة و الضبط
و قال (يسمع منهكم و يسمع ممن يسمع منكم)
و هذا في الإتصال
ثم جاء أهل الحديث فزادوا إنتفاء الشذوذ و العلة
و هذا بالإجماع و فهم السلف
لكن من لم يشترط هذا الأخير فلا يآخذ
و المذاهب في الزيادة تختلف و لا مشاحة بينها
¥