(والثاني: ما كان في نفسه حقا لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يُرَد بها ذلكفهذا الذي يسمونه إشارات، و حقائق التفسير لأبى عبد الرحمن فيه من هذا الباب شيءكثير ... ، وهو الذي يشتبه كثيرا على بعض الناس فان المعنى يكون صحيحا لدلالةالكتاب والسنة عليه ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه, وهذان قسمان:
أحدهما: أن يقال إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله ... .
القسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس لا من باب دلالة اللفظ، فهذا مننوع القياس فالذي تسميه الفقهاء قياسا هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلىصحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك
فمن سمع قول الله تعالى: {لا يمسه إلاالمطهرون} وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف, فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوبالطاهرة وهى قلوب المتقين كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا ... ، وكذلك من قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب، فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائقالإيمان إذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد أصاب) أهـ.
قال السيوطي في (الإتقان 4/ 377):
(وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} إن معناه: من ذلّ؛ أي: من الذل. ذي: إشارة إلى النفس، يشفَ: من الشفا جواب (مَنْ). عُ: أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد.
وقد قال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه. أخرجه ابن أبي حاتم) أهـ.
رابعا: شروط قبول التفسير الصوفي الإشاري:
قال ابن القيم في كتاب (التبيان في إيمان القرآن ص 123):
(وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هيالمراد = فغلط، وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس؛ فأمرها قريب.
وتفسيرالناس يدور على ثلاثة أصول:
1 - تفسير على اللفظ؛ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون.
2 - وتفسير على المعنى؛ وهو الذي يذكره السلف.
3 - وتفسير على الإشارة والقياس؛ وهو الذيينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم. وهذا لا بأس به بأربعة شرائط:
1) أن لايناقض معنى الآية.
2) وأن يكون معنىً صحيحا في نفسه.
3) وأن يكون في اللفظإشعار به.
4) وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
فإذا اجتمعتهذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا) أهـ.
وقال الزرقاني في (مناهل العرفان 2/ 58):
(مما تقدم يعلم أن التفسير الإشاري لا يكون مقبولا إلا بشروط خمسة وهي:
1 - ألا يتنافى وما يظهر من معنى النظم الكريم.
2 - ألا يدعى أنه المراد وحدهدون الظاهر.
3 - ألا يكون تأويلا بعيدا سخيفا كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وإنالله لمع المحسنين} بجعل كلمة (لمع) فعلا ماضيا، وكلمة المحسنين مفعوله.
4 - ألايكون له معارض شرعي أو عقلي.
5 - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
كذلك اشترطوا، بيدأن هذه الشروط متداخلة فيمكن الاستغناء بالأول عن الثالث، وبالخامس عن الرابع، ويحسنملاحظة شرطين بدلهما:
أحدهما: بيان المعنى الموضوع له اللفظ الكريم أولا.
ثانيهما: ألا يكون من وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على المفسَّر له.
ثمإن هذه شروط لقبوله بمعنى عدم رفضه فحسب وليست شروطا لوجوب اتباعه والأخذ به, ذلكلأنه لا يتنافى وظاهر القرآن، ثم إن له شاهدا يعضده من الشرع وكل ما كان كذلك لايرفض, وإنما لم يجب الأخذ به لأن النظم الكريم لم يوضع للدلالة عليه بل هو من قبيلالإلهامات التي تلوح لأصحابها غير منضبطة بلغة ولا مقيدة بقوانين) أهـ.
ويرى الدكتور محمد كمال جعفر: أنه لا بد قبل تقرير شروط قبول التفسير الصوفي التنبه إلى أن التفسير الصوفي يرتبط بنوعية اعتقاد المفسر، ويمكن إجمال تفسيراتهم في نوعين:
1) التفسير النظرى: وهو التفسير المبني على نزعة فلسفية حيث تتوجه الآيات القرانية لديهم وفق نظرياتهم وتتفق مع تعاليمهم.
2) التفسير الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ولا يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.
¥