ويرى الدكتور جعفر أنه يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أنه من الطبيعي أن لا يقف الصوفي عند المعاني التقليدية في أي من القرآن أو السنة قولا وعملا، لأنه ليس كالفقيه أو العالم الذي يعتمد على النظر العقلى فحسب، لأن ذلك لا يشبع رغبته ولا يمد روحه بالزاد الضروري، بل إنه يتعمق إلى معان وراء المعنى الظاهر المباشر، وإن لم يكن من الضرورى أن تكون هذه المعاني العميقة متناقضة مع تلك المعاني الظاهرية، ويشير الدكتور جعفر إلى نقطة هامة، وهي أن القرآن بالنسبة للصوفى يحمل حقيقتين متساويتين في الأهمية، فهو من جهة وحى تاريخى اتخذ وضعه في الزمان والمكان المحددين، وهو من جهة أخرى النبع الفياض الذي لا تنفد حقائقه الإلهية الصادرة عن الله جل جلاله، وهو لا متناه لأنه كلام الموجود الذي لا يتناهي، والمعاني الباطنية لكلماته غير متناهية كذلك أيضا.

كما أن الصوفي المتأمل قد يصل إلى مرحلة يدرك فيها أعمق المعاني الروحية في القرآن، وهذه الفكرة في حد ذاتها بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى قد تثير صعوبات، بحيث أنها تؤدى إلى أن يكون تفسير القرآن مختلفا باختلاف الذوات المشتركة فيها أي أن يكون الموقف موقفا ذاتيا مما ينتج بدوره تفسيرات متعارضة ويؤدى إلى اضطراب كبير، ولكن الحقيقة أن الصوفية فعلا يرون أن تعدد التفسيرات أمر حتمي، لأن معاني القرآن لا نهائية وتتكشف لكل صوفى حسب طاقته الروحية وحسب فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس في ذلك أي ضير ما دام هذا متصلا بالمعاني الكمالية التي لا تتجاوز حدود المعاني المباشرة المتفق عليها.

6 - الشيخ بن عاشور:

قال ابن عاشور في (تفسيره 1/ 16):

(أما ما يتكلم به أهل الإشارات من الصوفية في بعض آيات القرآن من معان لاتجري على ألفاظ القرآن ولكن بتأويل ونحوه فينبغي أن تعلموا أنهم ما كانوا يدعون أنكلامهم في ذلك تفسير للقرآن بل يعنون أن الآية تصلح للتمثل بها في الغرض المتكلمفيه وحسبكم في ذلك أنهم سموها إشارات ولم يسموها معاني ... ) أهـ.

وقال أيضا في (تفسيره 1/ 17):

(فنسبة الإشارة إلى لفظ القرآن مجازية لأنها إنما تشير لمن استعدتعقولهم وتدبرهم في حال من الأحوال الثلاثة ولا ينتفع بها غير أولئك فلما كانت آياتالقرآن قد أنارت تدبرهم وأثارت اعتبارهم نسبوا تلك الإشارة للآية.

فليست تلكالإشارة هي حق الدلالة اللفظية والاستعمالية حتى تكون من لوازم اللفظ وتوابعه كماقد تبين). أهـ.

7 - الإمام الزركشي:

قال الزركشي في (البرهان فيعلوم القرآن 2/ 215):

(فأما كلامالصوفية في تفسير القرآن؛ فقيل: ليس تفسيرا، وإنما هي معان ومواجيد يجدونها عندالتلاوة كقول بعضهم في: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}: إنالمراد النفس، فأمرنا بقتال من يلينا، لأنها أقرب شيء إلينا وأقرب شيء إلى الإنساننفسه). أهـ.

ثم ذكر كلام ابن الصلاح السابق مقرا مستدلا به.

8 - شيخ الإسلام ابن تيمية:

قال في (مجموع الفتاوي 6/ 376):

(فإن إشارات المشايخ الصوفية التييشيرون بها تنقسم إلى:

إشارة حالية: وهى إشارتهم بالقلوب وذلك هو الذيامتازوا به وليس هذا موضعه.

وتنقسم إلى الإشارات المتعقلة بالأقوال: مثل مايأخذونها من القرآن ونحوه فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس وإلحاق ما ليسبمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام، لكن هذايستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك.

فإن كانتالإشارة اعتبارية من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة، وإن كانت كالقياس الضعيفكان لها حكمه، وإن كان تحريفا للكلام عن مواضعه وتأويلا للكلام على غير تأويله كانتمن جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية فتدبر هذا فإني قد أوضحت هذا في قاعدةالإشارات) أهـ.

وقال أيضا كما في (مجموع الفتاوي 2/ 28):

(وأما أرباب الإشاراتالذين يثبتون ما دل اللفظ عليه ويجعلون المعنى المشار إليه مفهوما من جهة القياسوالاعتبار فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حق إذا كان قياساصحيحا لا فاسدا واعتبارا مستقيما لا منحرفا) أهـ.

وقال أيضا في (13/ 240):

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015