(وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئا من الطاعات واظب عليه، وأما حديث عائشة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل شهرا قط إلا رمضان؛ وما رأيت أكثر منه صياما في شعبان، فظاهره فضيلة الصوم في شعبان على غيره، لكن ذكر بعض أهل العلم أن السبب في ذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم ربما حصل له الشغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فيقضيها في شعبان، فلذلك كان يصوم في شعبان أكثر مما يصوم في غيره، لأن لصيام شعبان فضيلة على صيام غيره.

ومما يقوي هذا التأويل ما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل النصف من شعبان فلا تصوموا" وفي رواية "فلا يصومن أحد" وفي رواية "إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام"، وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى هذا: النهي للمبالغة في الاحتياط، لئلا يحتاط لرمضان ما ليس لغيره، ويكون هذا بمعنى نهيه عن أن يتقدم أحد رمضان بيوم أو يومين).

قلت: وبنحوه قال صديق خان ت1307هـ في (الروضة الندية).

· وقال الهيتمي ت973هـ في (الفتاوى الفقهية الكبرى ج2/ص82):

(ثُمَّ هذه الْأَحَادِيثِ لَا تُنَافِي الحديث الْمُحَرِّمَ لِصَوْمِ ما بَعْدَ النِّصْفِ من شَعْبَانَ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الْحُرْمَةِ فِيمَنْ صَامَ بَعْد النِّصْفِ ولم يَصِلْهُ، وَمَحِلُّ الْجَوَازِ بَلْ النَّدْبِ فِيمَنْ صَامَ قبل النِّصْفِ وَتَرَك بَعْدَ النِّصْفِ، أو اسْتَمَرَّ لَكِنْ وَصَلَ صَوْمَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ النِّصْفِ أو لم يَصِلْهُ، وَصَامَ لِنَحْوِ قَضَاءٍ أو نَذْرٍ أو وِرْدٍ.

وَالْخَبَرُ الذي رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وابن مَاجَهْ "إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حتى يَكُونَ رَمَضَانُ" صَرِيحٌ في ذلك، وَاسْتَشْكَلَ السُّبْكِيّ تَعْلِيلَ حُرْمَةِ صَوْمِ ما بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَان بِالضَّعْفِ؛ بِأَنَّهُ يَلْزَمهُ تَحْرِيمَ صَوْمِ شَعْبَانَ كُلَّهُ، لِأَنَّ الضَّعْفَ يَكُونُ بِهِ أَكْثَرُ. وَأَجَبْتُ عنه في الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ: بِأَنَّ صِيَامَ الشَّهْرِ جَمِيعِهِ أو أَكْثَرِهِ يُوَرِّثُ قُوَّةً على رَمَضَانَ، لِأَنَّ الصَّوْمَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مَأْلُوفًا لِلنَّفْسِ وَخَلْقًا لها، فَلَا يَشُقُّ عليها تَعَاطِيهِ، وَهَذَا من بَعْضِ حِكَمِ صَوْمِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم شَعْبَانَ كُلَّهُ أو أَكْثَرَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ).

قلت: وقد صرح بصحة الحديث في كتابه (المنهج القويم).

· وقال المناوي ت1031هـ في (فيض القدير ج1/ص304):

(قال الترمذي: حسن صحيح، وتبعه المؤلف فرمز لحسنه، وتعقبه _ أي: الترمذي _ مغلطاي لقول أحمد هو غير محفوظ).

· قال الزرقاني ت1122هـ في (شرح الموطأ ج2/ص206) قال:

(وصح مرفوعا "إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا" .. ).

· وقال الإمام الدهلوي ت1176هـ في (حجة الله البالغة ج1/ص526):

(ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموه"، وحديث أم سلمة رضي الله عنها: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل في نفسه ما لا يأمر به القوم، وأكثر ذلك ما هو من باب سد الذرائع. وضرب مظنات كلية، فإنه صلى الله عليه وسلم مأمون من أن يستعمل الشيء في غير محله أو يجاوز الحد الذي أمر به إلى إضعاف المزاج وملال الخاطر، وغيره ليس بمأمون فيحتاجون إلى ضرب تشريع وسد تعمق، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم ينهاهم أن يجاوزا أربع نسوة، وكان أحل له تسع فما فوقها لأن علة المنع ألا يفضي إلى جور).

· وقال الصنعاني ت1182هـ في (سبل السلام ج4/ 138 حلاق):

(والحديث دليل على أن النهي عن الصوم في شعبان بعد انتصافه ولكنه مقيد بحديث: "إلا أن يوافق صوما معتادا" كما تقدم.

وقيل: إن الحديث مؤول بمن يضعفه الصوم، وكأنهم استدلوا بحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، ولا يخفى أنه إذا تعارض القول والفعل كان القول مقدما).

· قال المباركفوري ت1353هـ في (تحفة الأحوذي ج3/ص364):

(الحق عندي أن الحديث صحيح).

هذا آخر ما أراد الله جمعه وتوثيقه حول الحديث وبيانه، ويعلم الله تعالى أن إمراره بلا تبيين المراد منه _ مع كونه صحيحاً _ هو المشكل، وهو الذي جعل الأئمة ينكرونه، لكن إن أمكن الجمع والتوفيق وتحديد المراد منه كما فعل أئمة الدين وصنعوه، فهل يحسن أن نترك الحديث ونطرحه لمجرد النكارة فقط؟!

أقول نعم؛ إذا لم يمكن الجمع والتوفيق، أما وقد حصل فوالله تأبى النفس ويأبى الحق ويأبى العلم الذي تعلمناه أن نقول بغير ذلك.

ولا يعني هذا أننا نضرب بأقوال الأئمة الحفاظ الأعلام ممن ترك الحديث عرض الحائط؛ لا وربي بل إن أمكن التوفيق ورفع التعارض فالمصير إليه أكمل واتم وأحسن من ترك حديثٍ صحيحٍ قابل للتأويل.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015