قالوا: والتفرد الذي يعلل به هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه، أو رفع ما وقفوه، أو زيادة لفظة لم يذكروها، وأما الثقة العدل إذا روى حديثا وتفرد به، لم يكن تفرده علة؛ فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم عملت بها الأمة؟!

قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا معارضة بينهما؛ وإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني، وحديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف، لا لعادة ولا مضافا إلى ما قبله، ويشهد له حديث التقدم.

وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه، فهذا لم نعلم أن أحدا علل به الحديث؛ فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي صحيح مسلم عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث، وقد قال _ عباد بن كثير _: لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: برب هذا البيت حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" فقال: ورب هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .. فذكره).

· وقال أيضا في موضع آخر منه:

(ونظيره أيضا ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان؛ أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره).

· وقال ابن رجب ت795هـ في (لطائف المعارف ص320 خزيمة):

(فأما تصحيحه؛ فصححه غير واحد، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم.

وقال أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه. ورده بحديث "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"؛ فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.

وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة).

قلت: وهذا كلام كسابقيه في الصراحة والتحديد.

لكن قول الإمام ابن رجب: (شاذ) فيه نظر رحمه الله. فتنبه

· وقال ابن حجر ت852هـ في (فتح الباري ج4/ص129) بعد ذكر أقوال أهل العلم حوله:

(ثم جمع بين الحديثين _ أي: الطحاوي _ بان حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط _ بزعمه _ لرمضان، وهو جمع حسن).

قلت: وكأنه رحمه ارتضى القول بصحة الحديث وأنه لا يترك إن أمكن التوفيق وقد حصل.

· وقال العيني ت855هـ في (عمدة القاري ج10/ص273):

(وروي عن أحمد أنه قال: هو ليس بمحفوظ، قال: وسألنا عبد الرحمن ابن مهدي عنه فلم يصححه ولم يخدش به، وكان يتوقاه.

وعلى تقدير صحة قول الترمذي؛ يعارضه حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هل صمت من سرر شعبان"؟ قال: لا، قال: "فإذا أفطرت فصم يومين"، وسرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستتار القمر فيه.

وروى أبو داود بإسناد جيد من حديث معاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صوموا الشهر وسره وأنا متقدم بالصيام فمن أحب فليفعله".

وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهرا كاملاً إلاَّ شعبان يصله برمضان. قال الترمذي: حديث حسن.

وعند الحاكم على شرطهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم شعبان ثم يصله برمضان).

· وقال السخاوي ت902هـ في (الأجوبة الحديثية ج1/ص37):

(والمشهور في هذا الحديث الثاني التقييد بيوم أو يومين؛ فلا يصلح شاهداً لحديث العلاء لأن الغرابة في حديثه إنما جاءت من جهة التقييد بنصف الشهر، وقد أغرب ابن حزم فخصّ النهي بصوم اليوم السادس عشر، فجرى على ظاهر الرواية التي وقغت له؛ وهي من طريق عبد الرزاق عن ابن عيينة عن العلاء بلفظ: "إذا كان النصف من شعبان فأفطروا"، وكأنه لم يقع الرواية الأخرى التي تقتضي استمرار هذا الحكم إلى أن يدخل رمضان. انتهى ما قاله شيخنا).

· وقال المغربي ت954هـ في (مواهب الجليل ج2/ص411):

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015