فهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه معنى ذلك الحديث، حتى لا يضاد غيره من هذه الأحاديث.
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به عبد الله بن عمرو ما يدل على ذلك أيضا _ ثم سرد الأحاديث _).
قلت: وهذا أيضاً محاولة من الإمام الطحاوي لرفع النكارة عن الحديث الثابت عنده بما لا يؤدي إلى إطراحه ما أمكن ذلك.
· وقال ابن حبان ت354هـ في (الصحيح ج8/ص353):
(ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة العلم أنه مضادٌّ للأخبار التي تقدم ذكرها).
قلت: وهذا كسابقيه.
· وقال ابن عدي ت365هـ في (الكامل ج3/ص218):
(قال أحمد: كان الذي روى عنه أهل الشام زهيرا آخر، فقلب اسمه. سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري فذكر نحوه هذا الكلام.
سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه _ يعني وهو حاضر _: حديث أبي هريرة: "إذا كان النصف من شعبان فلا يصوم أحد حتى يصوم رمضان" قال: ذاك؛ _ أي ضعيف (أي: زهير) _، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس عن العلاء، وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل: عن من كان يرويه؟ قال: عن زهير _ أي: بن محمد _، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان).
قلت: وهنا بان لك التصريح الصريح بعلة ترك الأخذ بالحديث وأنها كما قال الإمام أحمد بلسانه (المخالفة).
· وقال الخطابي ت388هـ في (معالم السنن ج3/ص224 المعرفة):
( .. ويشبه أن يكون حديث العلاء أثبت، على معنى كراهة صوم يوم الشك، ليكون في ذلك اليوم مفطراً، أو يكون استحب إجمام الصائم في بقية شعبان، ليتقوى بذلك على صيام الفرض في شهر رمضان، كما كره للحاج الصوم بعرفة، ليتقوى بالإفطار على الدعاء).
· وقال الحاكم ت405هـ في (معرفة علوم الحديث ص304 ابن حزم):
(ذكر النوع الثالث والعشرين من علم الحديث. هذا النوع من هذا العلم معرفة المشهور من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور من الحديث غير الصحيح، فرب حديث مشهور لم يخرج في الصحيح من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يجيء رمضان".
فكل هذه الأحاديث مشهورة بأسانيدها وطرقها وأبواب يجمعها أصحاب الحديث، وكل حديث منها يجمع طرقه في جزء أو جزأين، ولم يخرج في الصحيح منها حرف).
· وقال الخليلي ت446هـ في (الإرشاد ج1/ص218):
(العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقه: مدني مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها كحديثٍ عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان".
وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه دون هذا والشواذ).
قلت: هنا الخليلي رحمه الله يعطي حكماً عاماً على العلاء وسبب أن بعض أهل العلم تكلم فيه، أما أن كونه دائماً يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها كما يوهمه الكلام؛ فلا.
ثم هو لم يقل تركوه؛ حتى يفهم من يفهم من كلامه أنه يُعَلِّلُ ترك الحديث للتفرد مباشرة دون سواه. فتأمل
فغاية ما هنالك؛ أن الخليلي رحمه الله ضرب هذا الحديث مثلاً على ما ذكره هو من أنه قد تكلم في العلاء كلاماً سببه أنه يتفرد أحياناً بأحاديث لا يتابع عليها غالباً لا أن روايته ردت وأُبطلت لمجرد التفرد.
· وقال ابن حزم ت456هـ في (المحلى ج7/ص26):
(فإن قيل: فقد رويتم من طريق وكيع، عن أبي العميس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان".
قلنا: نعم، وهذا يحتمل النهي عن كل ما بعد النصف من شعبان، ويحتمل أن يكون النهي عن بعض ما بعد النصف، وليس أحد الاحتمالين أولى بظاهر اللفظ من الآخر، وقد روينا ما ذكرنا قبل من قول أم سلمة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان، وقول عائشة أم المؤمنين أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم شعبان كله إلا قليلا، وقولهما هذا يقتضي أنه عليه السلام كان يداوم ذلك، فوجب استعمال هذه الأخبار كلها وألا يرد منها شيء لشيء أصلا، فصح صيام أكثر شعبان مرغوبا فيه وصح جواز صوم آخره فلم يبق يقين النهي إلا على ما لا شك فيه وهو اليوم السادس عشر كلما قلنا وبالله تعالى التوفيق).
¥