قال أبو عبد الله القرطبي: (لا تعارض بين حديث الإحياء، وحديث النهي عن الاستغفار؛ فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة أن ذل كان في حجة الوداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاُ لما ذكر من الأخبار). أهـ

الثاني: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أبي وأباك في النار" المراد عمه أبوطالب؛ لأن اسم الأب يطلق على العم، وقد كان أبوطالب ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة.

ذكره السيوطي.

وذهب الجزيري إلى أن المراد عمه أبو لهب، حيث قال: (وحديث مسلم هذا يمكن تأويله، وهو أن المراد بأبي النبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب؛ فإن الله تعالى قد أخبر أنه في النار قطعاً، والأب يطلق في اللغة على العم). أهـ

الثالث: أنها ضعيفة.

قال السيوطي: (فإن قلت: فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرهما وأنهما في النار، وهي: حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليت شعري، ما فعل أبواي؟ فنزلت: [ولا تسأل عن أصحاب الجحيم]، وحديث أنه استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً، وحديث أنه نزل فيها: [ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين]، وحديث أنه قال لابني مليكة: "أمكما في النار". فشق عليهما، فدعاهما فقال: "إن أمي مع أمكما".

قلت: الجواب أن غالب ما يروى من ذلك ضعيف، ولم يصح في أم النبي صلى الله عليه وسلم سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له، ولم يصح أيضاً في أبيه إلا حديث مسلم خاصة، وسيأتي الجواب عنهما.

قال: وأما الأحاديث التي ذكرت؛ فحديث: "ليت شعري ما فعل أبواي؛ فنزلت الآية" لم يخرج في شئ من الكتب المعتمدة، وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به، ولا يعول عليه.

أما حديث أن جبريل ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً، فإن البزار أخرجه بسند فيه من لا يعرف. وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضاً، والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب.

وأما حديث: "أمي مع أمكما"، فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف، وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرده بالتصحيح، ثم إن الذهبي في مختصر المستدرك لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح قال عقبة: قلت: لا والله، فعثمان بن عمير ضعفه الدار قطني. فبين الذهبي ضعف الحديث، وحلف عليه يميناً شرعياً).

قال السيوطي: (فإن قلت: بقيت عقدة واحدة، وهي ما رواه مسلم عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: "في النار. فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار"، وحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له، فاحلل هذه العقدة.

قلت: على الرأس والعين. والجواب:

أن هذه اللفظة وهي قوله: "إن أبي وأباك في النار"، لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهي الطريق التي رواه مسلم منها، وقد خالفه معمر، عن ثابت، فلم يذكر: "إن أبي وأباك في النار"، ولكن قال له: "إذا مررت قبر كافر فبشره بالنار". وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة، وهو أثبت من حيث الرواية؛ فإن معمراً أثبت من حماد، فإن حماداً تكلم في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ، فحدث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً، ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، قال الحاكم في (المدخل): ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة).

قال السيوطي: (وأما معمر فلم يتكلم في حفظه، ولا استنكر شئ من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان، فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص، بمثل لفظ رواية معمر، عن ثابت، عن أنس؛ فأخرج البزار، والطبراني، والبيهقي، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال: "في النار". قال: فأين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015