وإليه نحا الدكتور يوسف القرضاوي؛ فإن أورد حديث "إن أبي وأباك في النار" وقال: (أتوقف في الحديث حتى يظهر لي شئ يشفي الصدر).
المذهب الثالث: أنهما في الجنة.
ولأصحاب هذا المذهب في سبب نجاتهما ثلاثة مسالك:
الأول: أنهما لم تبلغهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة:
أشار لهذا المسلك: السيوطي، والسندي، واختاره من المعاصرين: محمد الغزالي.
المسلك الثاني: أنهما كانا على التوحيد، ملة إبراهيم عليه السلام:
وهذا المسلك قال به الطاهر بن عاشور، ومحمد الجزيري.
قال الطاهر بن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين] قال: (ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا يكتمون دينهم تقية من قومهم). أهـ
المسلك الثالث: إن الله تعالى أحياهما لنبيه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، فآمنا به واتبعاه:
وهذا المسلك مال إليه طائفة من حفاظ المحديثن وغيرهم، منهم ابن شاهين، والخطيب البغدادي، والسهيلي، وأبوعبد الله القرطبي، والمحب الطبري، وناصر الدين بن المنير، والأبي، وابن حجر الهيثمي، والعجلوني، وغيرهم.
وانتصر له السيوطي فألف فيه عدة مؤلفات من أشهرها: كتابه (مسالك الحنفا في والدي المصطفى)، وقد أطال في تقرير نجاة الأبوين، وحشد العديد من الأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، حتى قال: (وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذاباً؛ لقرابته منه صلى الله عليه وسلم وبره به، مع إدراكه الدعوة وامتناعه من الإجابة، وطول عمره، فما ظنك بأبويه، اللذين هما أشد منه قرباً، وآكد حباً، وأبسط عذراً، وأقصر عمراً، فمعاذ الله أن يظن بهما أنهما في طبقة الجحيم، وأن يشدد عليهما العذاب العظيم، هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم). أهـ
ومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المسلك: ما روى عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل إلى الحجون كئيباً حزيناً، فأقام به ما شاء ربه عز وجل، ثم رجع مسروراً، فقالت: يا رسول الله، نزلت إلى الحجون كئيباً حزيناً فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسروراُ، قال: "سألت ربي عزل وجل فأحيا لي أمي فآمنت به، ثم ردها".
وأورد السهلي في الروض الأنف بسند قال: إن فيه مجهولين، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له، فآمنا به، ثم أماتهما.
قال السهيلي بعد إيراده للحديث: (الله قادر على كل شيء، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختص بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته). أهـ
وقال العلامة ناصر الدين بن المنير المالكي في كتاب (المقتفى في شرف المصطفى): (قد وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى، نظير ما وقع لعيسى ابن مريم .... ، وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحيي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين). أهـ
وقال أبوعبد الله القرطبي: (فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلاً ولا شرعاً، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى ... ، وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته). أهـ
وقال ابن سيد الناس بعد أن ذكر قصة الإحياء، والأحاديث الواردة في التعذيب: (وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الورايات ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيا في المقامات السنية، صاعداً في الدرجات العلية، إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تعارض). أهـ
وأجاب أصحاب هذا المسلك عن أحاديث تعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أجوبة:
الأول: أنها منسوخة بحديث إحياء والديه صلى الله عليه وسلم.
¥