وأخرجه ابن ماجة، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان؛ فأين هو؟ قال: "في النار". قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار". قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعباً، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار").

قال السيوطي: (فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم، ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال، فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشئ البتة، فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه).

أجوبة القائلين بتعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم على أدلة القائلين بنجاتهما:

أولاً: أجوبتهم عن حديث الإحياء:

أجاب القائلون بتعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم عن حديث الإحياء بأنه حديث باطل وموضوع.

وممن قال ببطلانه: الدار قطني، والحافظ ابن دحية الكلبي، وابن الجوزي، وابن عساكر، والذهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سيد الناس، والحافظ بن كثير، والحافظ ابن حجر، والجوزقاني، ومحمد شمس الحق العظيم آبادي، والألباني، وغيرهم.

قال ابن الجوزي بعد روايته للحديث: (هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في رد هذا الحديث وقوله تعالى: [فيمت وهو كافر]، وقوله في الصحيح: "استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي"). أهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سئل: هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟ فأجاب:

(لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث؛ بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قدر روى في ذلك أبوبكر – يعني الخطيب – في كتابه (السابق واللاحق) وذكره أبو القاسم السهيلي في (شرح السيرة) بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في (التذكرة)، وأمثال هذه المواضع لا نزاع بين أهل المعرفة وأنه من أظهر الموضوعات كذباً كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث؛ لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا يرون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب). أهـ

وقال الألباني: (كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية، وممن جمحت به المحبة السيوطي – عفا الله عنه – فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء، وحاول في كتابه (اللاليء) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء). أهـ

ثانياً: أجوبتهم عن دعوى ضعف حديث مسلم: "إن أبي وأباك في النار":

ما ادعاه السيوطي من ضعف حديث: "إن أبي وأباك في النار"، وتفرد حماد بن سلمة بلفظه؛ أجاب عنه بعض المتأخرين كالألباني وتلميذه أبي إسحاق الحويني، وقد أطال الأخير في الرد على السيوطي، وسأنقل مناقشته كاملة نظراً لأهميتها وتناولها لجميع ما أورده السيوطي:

قال أبو اسحاق الحويني: الجواب عما ادعاه السيوطي من وجوه:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015