أما القائلون بامتحانهم في الآخرة فلا إشكال عندهم في تلك الأحاديث؛ لأنها محمولة على أن هؤلاء ممن لا يجيب يوم القيامة؛ فلا منافاة بينها وبين الآيات.
وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون هؤلاء الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل النار، ومنهم أبوي النبي صلى الله عليه وسلم؛ بلغتهم دعوة نبي من الأنبياء، قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمنوا بها، وإنما رضوا بدين قريش، من الشرك عبادة الأوثان، فخرجوا بفعلهم هذا أن يكونوا من أهل الفترة، واستحقوا العذاب في الآخرة، لقيام الحجة عليهم.
وأما القائلون بنجاتهم مطلقاً فذكروا ثلاث أجوبة:
الأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع، وهي نصوص القرآن الكريم.
الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.
الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة بما لا يعذر به من الضلال، كعبادة الأوثان، وتغيير الشرائع، وشرع الأحكام.
وقد ذكر محمد بن خليفة الأبي أن أهل الفترة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، وهؤلاء على نوعين:
الأول: لم يدخل في شريعة؛ كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل.
الثاني: من دخل في شريعة حق قائمة، كتبع وقومه.
القسم الثاني: من بدل وغير وأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، فإنه أول من سن للعرب عبادة الأصنام، وشرع الأحكام، فبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي.
القسم الثالث: من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع ديناً، بل بقى عمره على حال غفلة عن هذا كله، وفي الجاهلية من هذا القسم كثير.
قال الأبي: (فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام؛ فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني؛ بكفرهم بما يعذبون به من الخبائث، والله سبحانه قد سمى جميع هذا القسم كفاراًُ ومشركين، وأما القسم الأول، كزيد بن عمرو، وورقة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في كل منهما: "إنه يبعث أمة وحده"، فحكمهم حكم الدين الذي دخلوا فيه ما لم يلحق أحداً منهم الإسلام الناسخ لكل دين.
وأما القسم الثالث: فهم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين، لقطع القرآن بنجاتهم).
ثانياً: مذاهب العلماء في مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم:
اختلف العلماء في مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة مذاهب:
الأول: أنهما في النار.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والبيهقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، والألباني، وغيرهم.
وقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين: إبراهيم بن محمد الحلبي، في رسالة بعنوان: (رسالة في حق أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم)، والملا علي بن سلطان القاري في رسالة بعنوان: (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام).
ومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المذهب: حديث أنس رضي الله عنه، والذي فيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن أباه في النار، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الاستغفار لأمه، وكلاهما عند مسلم، وكذا إخباره صلى الله عليه وسلم بأن أمه في النار، وقد تقدمت جميعها في أول المسألة.
وادعى الإجماع على عدم نجاتهما الملا علي بن سلطان القاري فقال: (وأما الإجماع؛ فقد اتفق السف والخلف من الصحافة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين –على ذلك، من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق). أهـ
ويرى هؤلاء أن إخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه بأنهما من أهل النار، لا ينافي الأحاديث الواردة بامتحان أهل الفترة، لأن أهل الفترة منهم من يجيب يوم القيامة، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة.
المذهب الثاني: التوقف فيهما، فلا يحكم لهما بجنة ولا نار.
قال تاج الدين الفاكهاني: (والله أعلم بحال أبويه).
وقال السخاوي بعد أن أورد حديث إحياء والدي النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي أراه الكف عن التعرض لهذا إثباتاً ونفياً).
وحكى هذا المذهب شمس الحق العظيم آبادي ومال إليه واستحسنه.
¥