وكثير من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظير الأمر بدخول النار؛ فإن الأمر بإلقاء نفوسهم بين سويف أعدائهم ورماحهم، وتعريضهم لأسرهم لهم، وتعذيبهم واسترقاقهم، لعله أعظم من الأمر بدخول النار، وقد كلف الله بني إسرائيل قتل أنفسهم وأولادهم وأرواحهم وإخوانهم لما عبدوا العجل، لما لهم في ذلك من المصلحة، وهذا قريب من التكليف بدخول النار، وكلف على لسان رسوله المؤمنين إذا رأوا نار الدجال أن يقعوا فيها، لما لهم في ذلك من المصحلة، وليست في الحقيقة ناراً، وإن كانت في رأي العين ناراً، وكذلك النار التي أمروا بدخولها في الآخرة إنما هي برد وسلام على من دخلها، فلو لم يأت بذلك أثر لكان هذا هو مقتضى حكمته وعدله، وموجب أسمائه وصفاته.

الوجه الثالث عشر: قول ابن عبد البر: (وليس ذلك في وسع المخلوقين). جوابه من وجهين:

أحدهما: أنه في وسعهم، وإن كان يشق عليهم، وهؤلاء عباد النار يتهافتون فيها ويلقون أنفسهم فيها طاعة للشيطان، ولم يقولوا ليس في وسعنا، مع تألمهم بها غاية الألم، فعباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسعهم، وهو إنما يأمرهم بذلك لصلحتهم ومنفعتهم؟

الثاني: أنهم لو وطنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم، ولم تضرهم شيئاً.

الوجه الرابع عشر: أن أمرهم باقتحام النار، المفضية بهم إلى النجاة منها، بمنزلة الكي الذي يحسم الداء، وبمنزلة تناول الداء الكريه الذي يعقب العافية، وليس من باب العقوبة في شئ، فإن الله سبحانه اقتضت حكمته وحمده، وغناه ورحمته، ألا يعذب من لا ذنب له، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك، كما يتعالى عما يناقض صفات كماله، فالأمر باقتحام النار للخالص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنهم بادروا إليها طوعاً واختياراً ورضى، حيث علموا أن مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين صلاحهم، وسبب نجاتهم، فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقنوا وعلموا أن فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمره وعزت عليهم أنفسهم أن يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به، رحمة وإحساناً، لا عقوبة.

الوجه الخامس عشر: أن أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين بركوب الصراط، لذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ولا ريب أن ركوبه من أشق الأمور وأصعبها، حتى إن الرسل لتشفق منه، وكل منهم يسأل الله السلامة، فركوب هذا الجسر الذي هو في غابة المشقة كاقتحام النار، وكلاهما طريق إلى النجاة.

الوجه السادس عشر: قول ابن عبد البر: (ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافراً أو غير كافر، فإن كان كافراً فإن الله حرم الجنة على الكافرين، وإن كان معذوراً بأنه لم يأته رسول فكيف يؤتمر باقتحام النار؟) جوابه من وجوه:

أحدها: أن يقال هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان؛ فإن الكفر هو جحود ما جاء به الرسول، فشرط تحققه بلوغ الرسالة، والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وهذا أيضاً مشروط ببلوغ الرسالة، ولا يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه، فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفاراً ولا مؤمنين، كان لهم في الآخرة حكماً آخر غير حكم الفريقين.

الوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار، لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه، وهو قيام الحجة عليهم، فإن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته.

الوجه الثالث: قوله: وإن كان معذوراً فكيف يؤمر أن يقتحم النار، وهي أشد العذاب؟، فالذي قال هذا يوهم أن هذا الأمر عقوبة لهم، وهذا غلط، وإنما هو تكليف واختبار، فإن بادروا إلى الامتثال لم تضرهم النار شيئاً. انتهى كلام ابن القيم.

أجوبة أصحاب المسلك الأول والثالث – وهم القائلون بنجاة أهل الفترة، والقائلون بامتحانهم في الآخرة – عن الأحاديث الواردة في المسألة، والتي تفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة:

اختلف أصحاب هذين المسلكين في الجواب عن الأحاديث الواردة في المسألة، وخاصة الأحاديث الواردة في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، وسأذكر أولاً أجوبتهم عن الأحاديث بعامة، ثم أذكر مذاهب العلماء في مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم، يلي ذلك أجوبة أصحاب هذين المسلكين عن الأحاديث الواردة في تعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم:

أولاً: أجوبتهم عن أحاديث تعذيب أهل الفترة بعامة:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015