وقال ابن عطية: (صاحب الفترة ليس ككافر قريش قبل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن كفار قريش وغيرهم ممن علم وسمع عن نبوة ورسالة في أقطار الأرض ليس بصاحب فترة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "أبي وأبوك في النار"، ورأى عمرو بن لحي في النار، إلى غير هذا مما يطول ذكره، وأما صاحب الفترة فيفترض أنه آدمي لم يطرأ عليه أن الله تعالى بعث رسولاً، ولا دعا إلى دين، وهذا قليل الوجود، اللهم إلا أن يُشَذَّ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران). أهـ

وقال النووي: (قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أبي وأباك في النار"، فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم). أهـ

الوجه الرابع: ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار، وقد تقدمت.

وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة:

فأجابوا عن الوجه الأول؛ وهو كون التعذيب في قوله: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا] إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي؛ من وجهين:

الأول: أنه خلاف ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقاً، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.

الوجه الثاني: أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفى في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: [كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير]، وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل.

وأجابوا عن الوجه الثاني؛ وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد: بالجوابين المذكورين آنفاً نفسيهما؛ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن، فلابد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل النار ماعذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح.

وأجابوا عن الوجه الثالث؛ وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم: بأنه قول باطل بلا شك؛ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل، والقرآن ينفي هذا نفياً باتاً في آيات كثيرة، كقوله: [لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون]، وكقوله: [لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون]، وكقوله: [وما أتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير]، وكقوله: [لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون]، إلى غير ذلك من الآيات.

وأما قول النووي: (من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره).

فإن قوله هذا فيه تناقض؛ لأن من بلغتهم الدعوة فليسوا بأهل فترة، وقد أشار إلى ما في كلام النووي من التناقض الأبي عند شرحه للحديث.

وأجابوا عن الوجه الرابع: بأن تلك الأحاديث الواردة في المسألة أخبار آحاد يقدم عليها القاطع وهي الآيات الواردة في المسألة.

وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضاً عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله: [وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليما]، إلى آخر ما تقدم من الآيات؛ بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم، بدليل قوله: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً].

وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم؛ إن القاطع الذي هو قوله تعالى: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً]، يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين، وأجابوا: بأن الآية عامة والحديثين كلاهما خاص في شخص معين، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام، كما هو مذهب الجمهور، فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلاً في العموم.

وأجاب المانعون: بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام؛ لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف، وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب، فلو عذب إنساناً واحداً من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها، كما بينه بقوله: [رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل]، وقوله: [ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015