قال أبو العباس القرطبي: (فيه دليل على أن من لم تبلغه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمره لا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: [وما كنا نعذبين حتى نبعث رسولا]، ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته فكأنه لم يبعث إليه رسول).
وسيأتي ذكر أجوبة أصحاب هذا المسلك عن الأحاديث الواردة في المسألة؛ التي تفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة، وذلك عند ذكر أجوبة أصحاب المسلك الثالث إن شاء الله.
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[15 - Feb-2010, مساء 10:54]ـ
المسلك الثاني: مسلك إعمال الأحاديث دون الآيات:
ويرى أصحاب هذا المسلك أن أهل الفترة في النار، وأنهم يعذبون بسبب شركهم.
وعلى هذا المسلك الإمام أبو حنيفة.
وحكى القرافي في (شرح تنقيح الفصول) الإجماع عليه فقال: (انعقد الإجماع على أن موتى الجاهلية في النار، يعذبون على كفرهم). أهـ
وحكاه الآلوسي عن أبي مصور الماتريدي، ومتبعيه.
وبه قال: النووي، وابن عطية، والحليمي، والفخر الرازي، والخازن، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، والآلوسي، وابن عاشور.
قال الحليمي: (إن العاقل المميز إذا سمع آية دعوة كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضاً عن الدعوة فيكفر، ويبعد أن يوجد شخص لم يبلغه خبر أحد من الرسل، على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ... ، فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بان آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار). أهـ
أدلة هذا المسلك:
استدل أصحاب هذا المسلك بظواهر آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: [وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليما]، وقوله: [إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين]، وقوله: [إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين]، وقوله: [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء]، وقوله: [ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق]، وقوله: [إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار].
وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تخصص كافراً دون كافر، بل ظاهرها شمل جميع الكفار.
واستدلوا: بالأحاديث الواردة في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت في أول المسألة.
واستدلوا: بأن معرفة الله واجبة عقلاً، فلا عذر بالفترة؛ لأن الحجة قد قامت عليهم بما معهم من أدلة العقل الموصلة على معرفة الله وتوحيده.
وأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات الواردة في المسألة من أربعة أوجه:
الأول: أن التعذيب المنفي في قوله تعالى: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً] وأمثالها من الآيات، إنما هو التعذيب الدنيوي، أي: أن الله لا يهلك أمة بعذاب في الدنيا إلا بعد الإعذار والإنذار إليهم، وهذا لا ينافي التعذيب في الآخرة.
وهذا الجواب حكاه الآلوسي عن أبي منصور الماتريدي.
وأما تفسير الآية فقد حكاه مذهباً للجمهور: أبو عبد الله القرطبي، وتبعه أبو حيان، والشوكاني.
الوجه الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: [وما كنا معذبين] وأمثالها إنما هو في غير الواضح، وأما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل، كعبادة الأوثان، فلا يعذر فيه أحد؛ لأن الكفار يقرّون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق النافع الضار، ويتحققون كل التحقق ان الأوثان لا تقدر على جلب نفع، ولا على دفع ضر.
الوجه الثالث: أن مشركي العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كإبراهيم وغيره، وأن الحجة قائمة عليهم بذلك.
وهذا جواب: ابن عطية، والحليمي، والنووي، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني.
¥