وبه قال: أبو حامد الغزالي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وتاج الدين السبكي، ومحمد خليفة الأبي، وشرف الدين المناوي.

وقال به من المعاصرين: عبد الرحمن الجزري، ومحمد الغزالي، ويوسف القرضاوي.

أدلة هذا المسلك:

من أقوى ما استدل به أصحاب هذا المسلك قوله تعالى: [وما كنا نمعذبين حتى نبعث رسولا].

وهذه الآية صريحة بأن الله تعالى لا يعذب أحدا من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسول ويتمادى في كفره حتى يموت.

وقد حكى السيوطي إطباق أئمة السنة على الاستدلال بالآية في أنه لا تعذيب قبل البعثة.

وهذا المعنى الوارد في الآية قد اوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: [رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما]، فصرح في هذه الآية الكريمة بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار، وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين؛ بينها في آخر سورة طه بقوله: [ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى]، وأشار لها في سورة القصص بقوله: [ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيدهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك ونكون من المؤمنين]، و قوله جل وعلا: [ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون]، وقوله: [يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير واللهعلى كل شيء قدير]، وكقوله: [هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة].، إلى غير ذلك من الآيات.

ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة بأنه لم يُدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جلَّ وعلا: [تكاد تنيز من الغيظ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إن أنتم إلا في ضلال كبير]، فقوله: [كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ] يعم جميع الأفواج الملقين في النار.

ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ]، فقوله: [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ] عام لجميع الكفار، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا، فعصوا أمر ربهم كما هو واضح، ونظيره أيضا قوله تعالى: [وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنكم يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاؤا الكافرين إلا في ضلال]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا.

وهذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة، وأنه لا عذاب عليهم في الآخرة، وإن كانوا ماتوا على الشرك؛ لأنهم لم يأتهم رسل ينذرونهم في الدنيا فتقوم عليهم الحجة.

ومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا المسلك في عذر أهل الفترة:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015