وقال الحافظ ابن كثير: (وقد روي في قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال). أهـ
واستدل أصحاب هذا المسلك على بطلان القصة بأدلة؛ منها:
1 - قول الله تعالى: [ما ننزل الملائكة إلا بالحق]، حيث قطع الله عز وجل أن الملائكة لا تنزل إلا بالحق، وليس شرب الخمر، ولا الزنا، ولا قتل النفس المحرمة من الحق، بل كل ذلك من الباطل.
2 - قوله تعالى: [وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون]، حيث أبطل الله عز وجل أنه يمكن ظهور ملك إلى الناس إلا إلى الأنبياء.
3 - قوله تعالى: [وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين]، حيث قرن عز وجل نزول الملائكة في الدنيا برؤيته عز وجل فيها، فدل على أن نزولهم في الدنيا إلى غير الأنبياء ممتنع البتة لا يجوز، وأن من قال ذلك فقد قال حجرا محجورا].
4 - قوله تعالى: [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون]، وقوله تعالى: [وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون]، وهذا صريح في براءتهم عن المعاصي، وكونهم متوقفين في كل الأمور، إلا بمقتضى الأمر والوحي.
5 - أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه.
المسلك الثاني: مسلك قبول الحديث وتصحيحه:
حيث ذهب بعض العلماء إلى تصحيح الحديث وقبوله، إلا أنهم لم يجيبوا عن الإشكال الوارد فيه، ومن هؤلاء:
ابن حبان، وأبو بكر الهيثمي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، والمناوي.
قال الحافظ ابن حجر: (وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها). أهـ
وقال: (له طرق كثيرة، جمعتها في جزء يكاد الواقف عليه يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة طقه الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها). أهـ
وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: (وقد وقفت على الجزء الذي جمعه فوجدته أورد فيه بضعة عشر طريقا، أكثرها موقوفا، وأكثرها من تفسير ابن جرير، وقد جمعت أنا طرقها في التفسير المسند وفي التفسير المأثور فجاءت نيفا وعشرين طريقا، ما بين مرفوع وموقوف). أهـ
المبحث الخامس
الترجيح
الذي يظهر صوابه والله تعالى أعلم أن الحديث لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن رفعه خطأ من بعض الرواة، والأصح أنه مما أخذه الصحابة عن مسلمة أهل الكتاب، ككعب الأحبار، وغيره، ومما يؤكد ذلك:
1 - أنه قد ورد في بعض طرق حديث ابن عمر وقف القصة على كعب الأحبار، وهذا مما يؤكد وقوع الوهم من بعض الرواة في رفعها للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن مدار الحديث راجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل.
2 - أن الطرق التي جاء الحديث فيها مرفوعا كلها ضعيفة، ولا يصح منها شيء.
3 - أن الحديث رواه عدد من الصحابة غير ابن عمر ولم يصرح أحد منهم برفعه للنبي صلى الله عليه وسلم.
4 - أن في القصة من الغرابة ما يؤكد كونها من قصص بني إسرائيل، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن الملكين خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد؛ لأن الله تعالى لا يخير من أشرك به، ولأنهما إن كانت قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما.
الوجه الثاني: أنه جاء في بعض طرق الحديث أن المرأة لما فجرت صعدت إلى السماء وصارت كوكبا، فكيف يعقل أنها تصعد إلى السماء وتصير كوكبا لمجرد أنها فجرت.
فبان بهذه الوجوه ضعف الحديث وبطلانه، وأنه لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
ـ[أبوسلمى]ــــــــ[30 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 04:00]ـ
¥