قال الله تعالى: [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون].
المبحث الثاني
ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة، حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة، امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: والله لا نشرك بالله شيئا أبدا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله، حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا والله لا نقتله أبدا. فذهبت، ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا".
المبحث الثالث
بيان وجه الإشكال في الحديث
ظاهر الحديث الوارد في تفسير الآية أن الله تعالى أنزل إلى الأرض ملكين، وهما (هاروت) و (ماروت)، وأنهما عصيا الله تعالى، فشرا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا النفس المحرمة، وزنيا، وهذا الظاهر مشكل، لما فيه من القدح بعصمة الملائكة عليهم السلام والتي قررها القرآن الكريم في غير ما آية؛ كقوله تعالى: [ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون]، وقوله تعالى: [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون].
المبحث الرابع
مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك تضعيف الحديث:
ويرى أصحاب هذا المسلك أن الحديث المروي في قصة هاروت وماروت هو من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب، وأن رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم خطأ من قبل بعض الرواة، إذ الصواب وقفه على كعب الأحبار، وهو مما أخذه من كتب بني إسرائيل.
وعلى هذا المسلك عامة العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به:
ابن أبي حاتم، وابن حزم، والبيهقي، وابن العربي، والقاضي عياض، والقاضي ابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، والخازن، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، والحافظ ابن كثير، وابن رجب، وأبو السعود، والثعالبي، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والألباني.
قال القاضي عياض: (اعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو شيئا يؤخذ بقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نص الله أول الآيات، من افترائهم بذلك على سليمان، وتكفيرهم إياه). أهـ
وقال أبو عبد الله القرطبي بعد أن أورد القصة من طريق ابن عمر: (هذا كله ضعيف، وبعيد عن البن عمر وغيره، لا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله). أهـ
¥