وقد جاء في السنة ما يؤكد معنى الآية، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه؛ فيقول: أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده؛ فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها؛ فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط] فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: [ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق].
المبحث الرابع
مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث
لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين:
الأول: أن آدم عليه السلام كان ينظر إلى نسم بنيه عن يمينه وشماله، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها، فنسم المؤمنين في الجنة، في عليين، ونسم الكافرين في سجين، في الأرض السفلى، وليس معنى الحديث أنها عند آدم في السماء الدنيا.
وهذا مذهب: القاضي عياض، وابن رجب، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والآلوسي.
واستدلوا له:
1 - بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجنة والنار في صلاة الكسوف، وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض.
2 - ورآهما ليلة الإسراء في السماء، وليست النار في السماء.
3 - وبأن حديث الإسراء قد روي بلفظ آخر، وفيه ما يؤيد هذا القول، ويزيل الإشكال عن الحديث؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ... ، فذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: "فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا بشيخ جالس تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خلق البشر، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى وحزن، فقال: يا جبريل، من هذا الشيخ؟ وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي يمينه باب الجنة، إذا رأى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، وإذا نظر لإلى الباب الذي عن شماله _ باب جهنم من يدخله من ذريته _ بكى وحزن".
المذهب الثاني: أن الأرواح التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم عن يمين آدم وشماله إنما هي أرواح بنيه التي لم تخلق أجسادهم بعد.
ذكره الحافظ ابن حجر وجها آخر في الجمع. ثم رجع عنه واستقر رأيه على القول الأول.
المبحث الخامس
الترجيح
الذي يظهر صوابه والله أعلم هو القول الأول، وأن معنى الحديث: أن آدم عليه السلام كان ينظر إلى نسم بنيه وهم في منازلهم من الجنة أو النار، وهذا القول لا يلزم منه أن يكون النار في السماء، إذ من الممكن رؤيتها وهي في الأرض، كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم نهر النيل والفرات ليلة أسري به، وهو في السماء، وقد ذكر أصحاب هذا القول رؤيته صلى الله عليه وسلم للنار وهو في السماء، ورؤيته للجنة وهو في الأرض، وهذا كله يدل على أن رؤية الشيء في مكان ما لا يستلزم أن يكون ذلك المكان ظرفا للمرئي، ومن ذلك رؤية آدم عليه السلام لنسم بنيه وهو في السماء، فإنه لا يلزم منه أن تكون السماء ظرفا لما رآه، والله تعالى أعلم.
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[28 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 12:55]ـ
(5)
في قصة هاروت وماروت
المبحث الأول
ذكر الآية الواردة في المسألة
¥