ذكره الآلوسي في تفسيره احتمالا آخر في الجمع، ولا يخفى بعده، بل هو من التفسير الإشاري المخالف لظاهر القرآن الكريم.
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بإمكان الرؤية _ وهم أهل السنة _ بأدلة منها:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه الوارد في المسألة.
الدليل الثاني: قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان، وقد رآه أبو هريرة في صورة مسكين على هيئة إنسان، وهذا يدل على أن الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم.
الدليل الثالث: أن الله تعالى نص في كتابه على عمل الجن لسليمان عليه السلام ومخاطبتهم له، في قوله تعالى: [قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين]، ومثل هذا لا ينكر مع تصريح القرآن بذلك، وثبوت الأحاديث الصحيحة.
المذهب الثاني: نفي إمكان رؤية الجن مطلقا، لا لنبي، ولا لغيره.
وهذا مذهب المعتزلة، وبعض الأشاعرة.
وبه قال الزمخشري، والفخر الرازي.
قال الزمخشري بعد أن أورد الآية: (وفيه دليل بين أن الجن لا يرون، ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة) أهـ.
وقال الفخر الرازي: (قوله تعالى: [من حيث لا ترونهم] يدل على أن الإنس لا يرون الجن؛ لأن قوله: [من حيث لا ترونهم] يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء: ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاءوا وأرادوا لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي أشاهده واحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جني صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي، وعلى هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص) أهـ.
المبحث الخامس
الترجيح
الذي يظهر صوابه والله تعالى أعلم؛ هو إمكان رؤية الإنس للجن، وأن الآية محمولة على نفي رؤيتهم على الهيئة التي خلقوا عليها، لكن إذا تشكلوا في صور أخرى من إنسان أو حيوان أمكن رؤيتهم، وعليه فتكون الآية مقيدة بمنع رؤيتهم في حال دون حال، وتلك الحال هي هيئتهم التي خلقوا عليها.
يدل على هذا الاختيار:
1 - ما ذكر في المسألة من الأحاديث، والتي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
2 - وما ورد من رؤية بعض الصحابة لهم على صورة إنسان، أو حيوان، وهذا يدل على أنهم لا يرون على هيئتهم التي خلقوا عليها، لكن إذا تشكلوا في صور أخرى أمكن رؤيتهم.
3 - أنه لم ينقل أن أحدا رآهم على هيئتهم التي خلقوا عليها، لا في حديث، ولا في أثر، على حين تعددت الوقائع برؤيتهم في صور أخرى، فدل على صحة ما قلناه.
4 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما رؤية كثير من الناس للجن حال الصرع وغير الصرع؛ فهذا أكثر وأشهر من أن يذكر ... ، وقد اتفق أئمة الإسلام على وجود الجن، وقد رآهم غير واحد من الناس، وخاطبوهم ... ) أهـ.
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[26 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 11:29]ـ
(4)
في مستقر أرواح الكفار
المبحث الأول
ذكر الآية الواردة في المسألة
قال الله تعالى: [إن الذين كذبوا بأياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين].
المبحث الثاني
ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ... ، فذكر حديث الإسراء بطوله، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد صلى الله عليه وسلم. فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا؛ فإذا رجل قاعد، على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة؛ إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه؛ فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى ... ".
المبحث الثالث
بيان وجه التعارض بين الآية والحديث
ظاهر الآية الكريمة أن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، وأما الحديث الشريف ففيه أن أرواح الكفار على يسار أدم عليه السلام، وهذا يوهم كونها في السماء الدنيا، وهو خلاف الآية.
¥