اختلف العلماء في إمكان رؤية الإنس للجن على مذهبين:
الأول: إمكان رؤية الإنس للجن.
وهذا مذهب أهل السنة، إلا أنهم اختلفوا في تأويل الآية، والجمع بينها وبين الحديث، على أقوال:
الأول: أن الآية محمولة على الأعم الأغلب، وليس المراد نفي رؤيتهم مطلقا؛ حيث إن الغالب هو عدم رؤيتهم من قِبَل الإنس، ولكن لا مانع من رؤيتهم في بعض الأحيان، كما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا رأي: الخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والنووي، وابن رجب، والآلوسي.
القول الثاني: أن المراد في الآية نفي رؤيتنا لهم في الحال التي يروننا فيها، وليس في الآية ما يفيد نفي رؤيتنا لهم مطلقا؛ إذ المستفاد منها أن رؤيتهم إيانا مقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في وقت رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت.
وهذا رأي: شيخ الإسلام ابن تيمية، والكرماني، وابن حجر، والهيتمي، والشوكاني.
قال الشوكاني: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها: أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبدا؛ فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقا).
واعترض: بأن في حديث أبي هريرة رؤية الاثنين، بعضهم لبعض، في آن واحد، وليس فيه ما ذكر من التفصيل.
القول الثالث: أن رؤيتهم على طبيعتهم وصورهم الأصلية التي خلقوا عليها ممتنعة؛ لظاهر الآية، لكن إذا تشكلوا في غير صورهم أمكن رؤيتهم، وعليه تحمل الأحاديث والآثار الواردة في المسألة.
ذكر هذا القول: القاضي عياض.
وهو اختيار: الحافظ ابن حجر، والعيني.
واعترض عليه النووي قائلا: (هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة).
القول الرابع: أن رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها هو مما اختص به الأنبياء عليهم السلام، وهو من معجزاتهم، وعليه تحمل الآية، وأما سائر الناس فلا يمكنهم رؤيتهم إلا إذا تشكلوا في غير صورهم التي خلقوا عليها.
وهذا رأي: ابن بطال، والنحاس، وابن عاشور.
قال ابن بطال: (رؤيته صلى الله عليه وسلم للعفريت هو مما خص به، كما خص برؤية الملائكة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام له ستمائة جناح، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنه ألقى في روعه ما وُهِبَ سليمان عليه السلام فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصاً على إجابة الله تعالى دعوته، وأما غير النبي من الناس فلا يمكن منه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: [إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم]، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية فقتله فمات الرجل به، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئاً فآذنوه ثلاثاً؛ فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان".
القول الخامس: أن رؤية الجن ممتنعة مطلقا إلا لنبي، أو في زمن نبي.
وهذا رأي: ابن حزم، حيث قال: (وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: [إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم] ... ، وإذا أخبرنا الله عز وجل أننا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء عليهم السلام فذلك معجزة لهم، كما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال: "فأخذته فذكرت دعوة أخي سليمان، ولولا ذلك لأصبح موثقا يراه أهل المدينة" أو كما قال عليه السلام، وكذلك في رواية عن أبي هريرة للذي رأى؛ إنما هي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جن بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي منقطعات، أو عمن لا خير فيه) أهـ.
ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال: (من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلت شهادته؛ لأن الله عز وجل يقول: [إنه يركم هو وقبيله من حيث لا ترونهم]، إلا أن يكون نبيا).
القول السادس: أن الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكر الشيطان وخفي حيله، وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة.
¥