بخلاف ولد الرشد؛ فإنه إذا مات طفلا وأبواه مؤمنان ألحق بهما، وبلغ درجتهما بصلاحهما، على ما قال الله تعالى: [والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم]، وولد الزنا لا يدخل بعمل أصليه، أما الزاني فنسبه منقطع، وأما الزانية فشؤم زناها _ وإن صلحت _ يمنع من وصول بركة صلاحها إليه.
وهذا التأويل قال به الطالقاني.
المذهب السادس: أن الحديث في تغليظ وتشديد على ولد الزنية، تعريضا بالزاني؛ لئلا يورطه في السفاح، فيكون سببا لشقاوة نسمة بريئة.
وهذا التأويل قال به الطيبي، قال: (ومما يؤذن أنه تغليظ وتشديد: سلوك ولد الزنية في قرن العاق والمنان ومدمن الخمر، ولا ارتياب أنهم ليسوا من زمرة من لا يدخل الجنة أبدا). أهـ
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث:
حيث ذهب جمع من العلماء إلى أن الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فوصفه بالإضراب الدارقطنيـ، وضعفه ابن حجر، وحكم عليه بالوضع: ابن الجوزي، والسيوطي، وابن عراق، وابن طاهر، والعجلوني، والشوكاني.
ثالثا: مسالك العلماء في حديث: "نعلان أجاهد بهما في سبيل الله أحب إلي من أعتق ولد زنا":
هذا الحديث لم يصححه أحد من العلماء حسب ما وقفت عليه، وقد تأوله الطحاوي بعد روايته له: بأنه محمول على من تحقق بالزنا حتى صار غالبا عليه.
وتأوله السندي: بأن المراد أن أجر إعتاقه قليل، وذلك لأن الغالب عليه الشر عادة، فالإحسان إليه قليل الأجر، كالإحسان إلى غير أهله.
المبحث الخامس
الترجيح
التحقيق أنه لا يصح في المسألة إلا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولد الزنا شر الثلاثة"، وأما بقية الأحاديث فلا يصح منها شيء.
والذي يظهر لي في معنى حديث أبي هريرة: أن ولد الزنا هو شر الثلاثة شؤما بالزنا، وأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "شر الثلاثة" أي: أشد الثلاثة تضررا بالزنا، وذلك لأن الأبوين إذا تابا وسترا على نفسيهما فقد اندفعت عنهما معرة الزنا، فلا يعلم أحد بحالهما، وأما الابن فلا يزال شؤم الزنا يلاحقه طيلة حياته، فهو معروف بين الناس بأنه ولد زنا، ولا يستطيع بحال أن يتخلص من ذلك، ومن هذا الباب أصبح شر الثلاثة، أي: شر الثلاثة شؤما بالزنا، وهذا لمعنى لا يلزم منه أن يكون ابن الزنا ملوما بزنا أبويه، أو أنه يعاقب على ذلك، بل هو بريء كل البراءة من إثم أبويه، وإذا كان صالحا لم يلحقه من شؤم الزنا إلا وصفه به، ولا يلحقه من إثم أبويه شيء.
وقد جاء في السنة إطلاق الشر على الضرر، وإن لم يكن الموصوف به آثما أو ملاما عليه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار، وقد أنزلت عليه: [والمرسلات عرفا] فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال: اقتلوها، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقاها الله شركم كما وقاكم شرها".
ففي هذا الحديث تسمية النبي صلى الله عليه وسلم مبادرة الصحابة لقتل الحية شرا، وليس في وصفه صلى الله عليه وسلم لفعلهم بالشر ما يدل على كراهته له أو تحريمه، وإنما سماه النبي صلى الله عليه وسلم شرا باعتبار الضرر الذي يلحق بالحية؛ لا باعتبار أن الفعل شؤم، أو أن فاعله آثم. والله تعالى أعلم.
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[26 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 12:03]ـ
(3)
في رؤية الإنس للجن
المبحث الأول
ذكر الآية الواردة في المسألة
قال الله تعالى: [يبني آدم لا يفتننكم الشيطن كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشيطين أولياء للذين لا يؤمنون].
المبحث الثاني
ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة؛ ليقطع علي الصلاة؛ فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: [رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي].
المبحث الثالث
بيان وجه التعارض بين الآية والحديث
ظاهر الآية الكريمة نفي رؤية الإنس للجن، وأما الحديث ففيه إثبات الرؤية، وهذا يوهم خلاف الآية.
المبحث الرابع
مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث
¥