وهذا تأويل شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (وولد الزنا إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا، كما يقع كثيرا، كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير، فأما إذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم) أهـ
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث وعدم قبوله:
وهذا المسلك حكاه ابن عبد البر عن الإمام مالك.
وإليه ذهب أبو بكر الجصاص في كتابه (أحكام القرآن)؛ فإنه حكم على الحديث بالضعف، لشذوذه، ومخالفته للأصول، لكنه في كتابه (الفصول في الأصول) ذهب إلى قبول الحديث مع تأويله، على نحو ما جاء في المذهب الثاني، حيث قال: (وأما حديث أبي هريرة _ في ولد الزنا أنه شر الثلاثة _ فإنما معناه عندنا أنه أشار به إلى أشخاص بأعيانهم، فحكم فيهم بهذا الحكم؛ لعلمه صلى الله عليه وسلم بأحوالهم التي يستحقون بها ذلك). أهـ
وممن ذهب إلى تضعيف الحديث: ابن الجوزي؛ فإنه أورده في (العلل المتناهية)، وقال: لا يصح.
وقد جاء عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، ما يدل على معارضتهم للحديث: فعن عائشة رضي الله عنها، أنها كانت إذا قيل لها في ولد الزنا: هو شر الثلاثة، عابت ذلك وقالت: ما عليه من وزر أبويه، قال الله: [ولا تزر وازرة وزر أخرى]. (سنده صحيح)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال في ولد الزنا: لو كان شر الثلاثة لم يتأن بأمه أن ترجم حتى تضعه. (سنده صحيح)
وعن ميمون بن مهران، أنه شهد ابن عمر صلى على ولد زنا فقيل له: إن أبا هريرة لم يصل عليه، وقال: هو شر الثلاثة. فقال ابن عمر: هو خير الثلاثة. (سنده ضعيف)
وروي نحو ذلك عن عكرمة، والشعبي.
ثانيا: مسلك العلماء في حديث: "لا يدخل الجنة ولد زنية":
للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث، وتأويله على معنىً لا يعارض الآية:
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في تأويل الحديث على مذاهب:
الأول: أن المراد بالحديث هو من تحقق بالزنا حتى صار غالبا عليه:
وهذا التأويل قال به أبو جعفر الطحاوي، وهو اختيار الألباني.
قال الطحاوي بعد أن ساق الحديث: (هذا الحديث أريد به من تحقق بالزنا وكثر منه حتى صار غالبا عليه، فاستحق بذلك أن يكون منسوبا إليه، فيقال: هو ابن له، كما ينسب المتحققون بالدنيا إليها، فيقال لهم: بنو الدنيا، لعملهم لها، وتحققه بها، وتركهم ما سواها، وكما قد قيل للمتحقق بالحذر: ابن أحذار، وللمتحقق بالكلام: ابن الأقوال، وكما قيل للمسافر: ابن سبيل، وكما قيل للمقطوعين عن أموالهم، لبعد المسافة بينهم وبينها: أبناء السبيل، كما قال الله تعالى في أصناف أهل الزكاة: [إنما الصدقت للفقراء]، حتى ذكر فيهم ابن السبيل ... ، ومثل ذلك ابن زنية، قيل لمن قد تحقق بالزنا حتى صار بتحققه به منسوبا إليه، وصار الزنا غالبا عليه، أنه لا يدخل الجنة بهذه المكانة التي فيه، ولم يرد به من كان ليس من ذوي الزنا الذي هو مولود من الزنا) أهـ
المذهب الثاني: أن الحديث محمول على الغالب؛ فإن ولد الزنا في الغالب لخباثة نطفته يكون خبيثا لا خير فيه، فلا يعمل عملا يدخل به الجنة.
وهذا التأويل قال به ابن حبان، وهو اختيار الآلوسي.
قال ابن حبان: (معنى نفي المصطفى صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنية دخول الجنة _ وولد الزنية ليس عليهم من أوزار آبائهم وأمهاتهم شيء _ أن ولد الزنية على الأغلب يكون أجسر على ارتكاب المزجورات، أراد صلى الله عليه وسلم أن ولد الزنية لا يدخل الجنة، جنة يدخلها غير ذي الزنية، ممن لم تكثر جسارته على ارتكاب المزجورات) أهـ
المذهب الثالث: أن المراد بالحديث: أن ولد الزنا لا يدخل الجنة إذا عمل بعمل أبويه.
وهذا التأويل قال به البيهقي، والحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه السخاوي.
المذهب الرابع: أن المراد بالحديث: أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الأولين.
وهذا التأويل قال به المناوي، قال: (وذلك لأنه يتعثر عليه اكتساب الفضائل الحسنة، ويتيسر له رذائل الأخلاق). أهـ
المذهب الخامس: أن المراد بالحديث: أنه لا يدخل الجنة بعمل أصليه:
¥