المبحث الثالث
بيان وجه التعارض بين الآية والحديث
ظاهر الأحاديث أن ولد الزنا ملوم بفعل أبويه، وأنه بسبب زناهما صار شر الثلاثة، وأنه لا يدخل الجنة، وأنه لا خير فيه، وهذا الظاهر يوهم معارضة الآية؛ التي فيها أن أحدا لا يحمل من إثم غيره شيئا، إلا أن يكون له فيه تسبب، وولد الزنا لا ذنب له في زنا أبويه، ولم يتسبب في زناهما، فكيف جاز أن يلام ويعاقب على فعل ليس له فيه تسبب؟.
المبحث الرابع
مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث
أولا: مسالك العلماء في حديث: "ولد الزنا شر الثلاثة":
للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث، وتأويله على معنىً لا يعارض الآية:
وعلى هذا المسلك الجمهور من العلماء، وقد اختلفوا في تأويل الحديث على مذاهب:
الأول: أن هذا الشر _ الذي يلحق ولد الزنا _ إنما هو في حال إذا عمل الولد بعمل أبويه.
وهذا التأويل روي من قول سفيان الثوري عند روايته للحديث، وهو اختيار المناوي، والألباني.
وأيد الألباني هذا التأويل بما روي عن عائشة، وابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولد الزنا شر الثلاثة، إذا عمل بعمل أبويه".
قال: (وهذا التفسير، وإن لم يثبت رفعه، فالأخذ به لا مناص منه؛ كي لا يتعارض الحديث مع النصوص القاطعة في الكتاب والسنة أن الإنسان لا يؤاخذ بجرم غيره). أهـ
المذهب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصد بكلامه هذا إنسانا بعينه، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مع أذيته له ولد زنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو شر الثلاثة"، باعتبار أذاه.
وهذا التأويل جاء مرفوعا من حديث عائشة رضي الله عنها، فعن عروة قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد الزنا شر الثلاثة"، فقالت: يرحم الله أبا هريرة، أساء سمعا، فأساء إجابة، لم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنه مع ما به ولد زنا"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو شر الثلاثة".
واختار هذا التأويل: أبو جعفر الطحاوي، وأبو محمد ابن حزم.
ولأبي جعفر تأول آخر في معنى الحديث حيث قال: (يحتمل أن يكون المراد بالحديث هو من تحقق بالزنا حتى صار غالبا عليه، فيكون بذلك شرا ممن سواه، ممن ليس كذلك). أهـ
وهذا التأويل ذكره أيضا في الجواب على حديث: "لن يدخل الجنة ولد زنية" وسيأتي.
المذهب الثالث: أن شر الأبوين عارض، وولد الزنا نطفة خبيثة، فشره في أصله، وشر الأبوين من فعلهما.
وهذا التأويل قاله ابن القيم؛ فإنه ذكر حديث: "لا يدخل الجنة ولد زنا"، ثم حكى قول ابن الجوزي: إنه معارض لآية: [ولا تزر وازرة وزر أخرى] ثم قال ابن القيم: (ليست معارضة بها إن صحت فإنه لم يحرم الجنة بفعل والديه، بل لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب، ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة، فإن كانت في هذا الجنس طيبة دخلت الجنة، وكان الحديث من العام المخصوص.
وقد ورد في ذمه أنه شر الثلاثة، وهو حديث حسن، ومعناه صحيح بهذا الاعتبار، فإن شر الأبوين عارض، وهذا نطفة خبيثة، فشره في أصله، وشر الأبوين من فعلهما). أهـ
ويرد على هذا القول: أن النطفة إنما خبثت بفعل الأبوين، والولد المتخلق منها لا ذنب له في خبثها، فكيف يكون خبيثا وهو لم يقصد الخبث، ولم يتسبب فيه؟! وعليه فالإشكال باق ولم يتم دفعه.
المذهب الرابع: أن معنى الحديث أن ولد الزنا شر الثلاثة نسبا.
وهذا تأويل السرخسي حيث قال: (وتأويل الحديث: "شر الثلاثة نسبا" فإنه لا نسب له، أو قال ذلك في ولد زنا بعينه نشأ مريدا، فكان أخبث من أبويه.
قال: وذلك لأن لأولاد الزنا من الحرمة ما لسائر بني آدم، ولا ذنب لهم، وإنما الذنب لآبائهم، كما ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تتأول في أولاد الزنا: [ولا تزر وازرة وزر أخرى]. أهـ
المذهب الخامس: أن ولد الزنا إنما يذم لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا.
¥