فتلميذه أبو راشد الحمراني ([18] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn18 )) قال: أتيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله r فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله r فنظرت فيها فإذا فيها: أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله r: « يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت …» الحديث ([19] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn19 )) وقوله: «هذا ما كتب لي رسول الله r» أي: أذن لي بكتابته عنه، كما في الروايات الأخرى التي سبق بعضها.

وكلام أبي راشد هذا، يفيد أنه كان بمفرده عندما جاء إلى عبدالله بن عمرو وأطلعه على صحيفة مما كتبه، ويعتبر صنيع عبدالله بن عمرو هذا مع تلميذه أبي راشد، من تأصيل التحمل بالمناولة، حيث ألقى بين يديه الصحيفة المكتوب فيها الحديث، وأخبره بأنها مما أذن له الرسول r بكتابته عنه، ثم مكنه من النظر فيها، وقراءة الحديث المذكور منها. ويبدو أن جماعة غير أبي راشد قد رأوا هذه الصحيفة أيضًا، وتحملوا منها رواية الحديث السابق نفسه بلفظ مقارب، فقد قال أبو عبدالرحمن الحُبلي المصري، تلميذ عبدالله بن عمرو أيضًا: أخرج لنا عبدالله بن عمرو قرطاساً ([20] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn20 )) وقال: كان رسول الله r يعلمنا، يقول: «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء…» الحديث ([21] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn21 )).

فقول أبي عبدالرحمن الحبلي: «أخرج لنا» يفيد أنهم كانوا جماعة، وأن عبدالله بن عمرو قرأ عليهم المكتوب. ومن تلاميذه من روى بعض الأحاديث التي كتبها عبدالله بن عمرو وأرسل بها إليه، فأرض «الوهْط» التي كانت ل عبدالله بن عمرو - كما تقدم - كان له فيها عامل زراعيّ يقال له: «سالم مولى عبدالله بن عمرو» وعرض عليه جيرانه أن يشتروا منه ما يفيض عن حاجة عبدالله بن عمرو من المياه، قال سالم: أعطَوْنِي بفضل الماء من أرضه بالوهْط ثلاثين ألفًا، قال: فكتبت إلى عبدالله بن عمرو، فكتب إلي: لا تبعه، ولكن أقِمْ قِلْدَك ([22] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn22 )) ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله r ينهى عن بيع فضل الماء ([23] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn23 )).

وجاء عن أحد تلاميذ عبدالله أنه أملى عليه بعض حديثه وكتبها عنه في صحيفة وهو: أبو سبرة الهذلي، فقد قال لعبيد الله بن زياد - لما سمعه يجادل في حوض رسول الله r الذي جعله الله له في الآخرة -: ألا أحدثك حديثًا فيه شفاء هذا، إن أباك بعث معي بمالك إلى معاوية، فلقيت عبدالله بن عمرو بن العاص، فحدثني مما سمع من رسول الله r وأملى عليَّ، فكتبت بيدي فلم أزد حرفًا، ولم أنقص حرفًا، حدثني أن رسول الله r قال: «إن الله لا يحب الفحش، أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، وقال: «ألا إن موعدكم حوضي عرضه وطوله واحد وهو كما بين أيلة ([24] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn24 )) ومكة» .. الحديث وفيه: «من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا» فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدق به، وأخذ الصحيفة فحبسها عنده ([25] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn25 )).

وفي رواية أخرى للحديث: أنه لما حبس عبيد الله بن زياد الكتاب عنده، قال أبو بُسرة: فجزعت عليه، فلقيني يحيى بن يعمر، فشكوت إليه، فقال: والله لأنا أحفظ له من السورة من القرآن فحدثني به كما كان في الكتاب سواء ([26] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=250997#_ftn26 )).

وهذه الرواية تفيد أن حفظ الصدور، وحفظ الكتاب كانا متضافرين على صيانة السنة وتعويض أحدهما ما فُقد من الآخر، وأن حفظ الصدور كان من القوة بحيث يطمأن إلى نيابته عن الكتابة عند افتقادها.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015