فهل أنا على الصواب؟

أقول: بارك الله فيك، دعني أقدم هنا أولا بالموعظة:

/// اعلم أخي الكريم أن الخوض في أمر الغيبيات لا يكون بالعقل، وإنما بالنقل وفقط، فما ثبت بالنص أوقفنا عنده علمنا، وما عدا ذلك لم يجز لنا تكلف النظر فيه، وإلا دخلنا في قوله تعالى: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) [الإسراء: 36]

فأنا أعظك أن تكون من الذين يقفون ما ليس لهم به علم ولا جعل الله لبشر به من سلطان، عفا الله عنك .. كما لا يفوتني أن أنبهك إلى أن هذه المسألة مما لا ينبني عليه عمل أصلا، أعني أن نعرف ما هيئة القرءان المكتوب في اللوح المحفوظ، وفي بيت العزة، وكيف يكون ثبوت الآيات المنسوخة فيه مع كونها لا تثبت في المصحف الذي بين أيدينا وما إلى ذلك! ولو كان في معرفتها فائدة للمسلمين لجاءنا بها نص معصوم، ولاعتنى أهل العلم بالكلام فيها على أثر ذلك النص، ولكن ليس عندنا مثل ذلك النص، فلا نخوض فيما لا علم لنا به ولا سلف!

/// قولك وفقك الله: "تطور التشريع إلى مرتبة الكمال" غير محرر

فلا يجوز أن نقول أن التشريع "تطور إلى منزلة الكمال" لأنه يفهم من ذلك بمفهوم المخالفة أنه كان قبل النسخ على منزلة دون مرتبة الكمال، وهذا باطل ولا شك! بل هو في كل أحواله على مرتبة الكمال التام، وآية ذلك النظر في ملاءمة النصوص لأحوال المكلفين بها في زمان التكليف ومكانه، وكونها هي الخير لهم والأحسن والأنفع والأصلح! وهذا حال نصوص الإسلام ناسخها ومنسوخها سواء ولا فرق! فالمنسوخ كان هو الأكمل والأحسن لمن كلفوا به في زمانهم ومكانهم، وأما الناسخ فهو الأكمل والأحسن للذين كلفوا به كذلك في زمانهم ومكانهم .. فلو خوطب أهل التكليف الأول بالتكليف الناسخ بدلا من المنسوخ لما ناسبهم ولربما عنتوا به، والعكس كذلك صحيح .. وهذا لا يمنع من وجود التفاضل بين نصوص القرءان من حيث النفع والفائدة للمسلمين، فهذا مطرد بصرف النظر عما كان منها ناسخا وما كان منسوخا! فأنت الآن عندما تقرأ نصوصا في التوحيد أو الوعد والوعيد، لا يستوي تأثيرها فيك ونفعها الذي تصيبه منها بالنفع الذي تحصله من سماع بعض نصوص القصص مثلا، وفي كل خير عميم ونفع عظيم، ولكن المراد وجود التفاضل، والله تعالى يقول في نصوص كانت كلها منزلة من عنده سبحانه: ((وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ)) [الأعراف: 145] فبين أنها تتفاضل .. وعلى أي حال هذه مسألة أخرى يرجع إلى بسطها في مظانه في كتب أهل العلم ولا أريد الإطالة .. ولكن القصد أن هذا التفاضل ليس على صورة أن الناسخ يلزم أن يكون أفضل من المنسوخ مطلقا، فلا يصح أن نقول أنه من "تطور الشريعة" .. ولكنه قطعا أحسن من المنسوخ بالنسبة للمكلفين به تحديدا (وفي حالتنا، هم جميع الثقلين إلى يوم القيامة من بعد النسخ)، وقد قال تعالى: ((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [البقرة: 106] فلا يلزم أن يكون الناسخ أحسن من المنسوخ بإطلاق، والله أعلم.

/// ومع أنه لا ثمرة من النظر في هذه المسألة كما أسلفت، إلا أني أقول بعون الله تعالى أن ما توصلتَ إليه ليس بلازم ولا تؤدي إليه المقدمات التي أسسته عليها.

فأولا، أقول – حتى تزول الشبهة عن نفسك – أن ما بين دفتي المصحف الذي بين يديك الآن – والذي هو ما كتبه عثمان رضي الله عنه موافقا لما جُمع على زمان أبي بكر وبقي في بيت حفصة، موافقا للعرضة الأخيرة، مجمعا عليه متواترا – هو ما وجب على سائر البشر من بعد العرضة الأخيرة التعبد بتلاوته من القرءان، وهو – على اختلاف قراءاته المتواترة الصحيحة – ما لا يحل التعبد بغيره مما شذ أو ما نسخ من القراءات أو من النصوص التي كانت فيما قبل العرضة الأخيرة قرءانا متلوا ثم نسخت تلاوته، وليس في ذلك إشكال من جهة كون النص المنسوخة تلاوته قرءانا ولا من جهة كونه له أصلا في اللوح المحفوظ وفي بيت العزة كما هو الحال مع ما لم ينسخ واستقرت عليه العرضة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015