/// وأما ثانيها فقول منسوب إلى الشعبي ومحمد بن اسحاق رحمهما الله، حاصله أن القرءان نزل نزولا واحدا لا نزولين، فأما ما أنزل في الليلة المباركة ليلة القدر في شهر رمضان، فلم يكن القرءان كاملا وإنما كان مبدأ الوحي به، في قوله تعالى ((اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)) فهذه الآيات على هذا القول، هي القرءان المراد من النصوص التي تفيد نزوله في ليلة القدر وفي ليلة مباركة وفي شهر رمضان، وهو قول وجيه لولا مخالفته لكلام ابن عباس الذي له حكم الرفع.

/// وأما ثالث الأقوال فقول ضعيف يقول به بعض العلماء مفاده أن للقرءان نزولين، كلاهما منجمان على ثلاث وعشرين سنة، أحدهما ينزل إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة والآخر إلى النبي عليه السلام، وهذا كلام لا دليل عليه

/// وأما الرابع فكسابقه لا دليل عليه كذلك، بل هو أضعف منه، وهو قول بعضهم بأنه نزل القرآنُ في رمضان وفي ليلة القدر في ليلة مباركة جملةً واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل في عشرين سنة، ونجمه جبريل على محمد -صلى الله عليه وسلم- في عشرين سنة.

هذا وقد رأيت أن أبين هذا البيان تحريرا لهذه المسألة – مع أنها ليست محل بحثك هنا – لأن دقة العبارة ودقة تحرير المسائل عند عرضها من ضروريات العلم التي يجب ألا يتساهل فيها طلبة العلم طرفة عين، بارك الله فيك ووفقك!

أما قولك:

بهذا تبين لي أن كل ما نزل على الرسول من القرآن، ناسخه ومنسوخه محكمه ومتشابهه كان في المنزل في بيت العزة، وهذا يعني أن مصحف أبي بكر رضي الله عنه ومصحف عثمان جلّ ما أنزل في بيت العزة وليس كله،

والدليل هو:

أولا: وجود آيات منسوخة في مصحف أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما.

وقد تقرر عندنا في الأصول أن النسخ ثلاثة أنواع:

1 - نسخ الحكم مع بقاء التلاوة (ولا إشكال في ذلك عندي)

2 - نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، كقوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله .... )

3 - نسخ التلاوة والحكم معا، ففي البخاري: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات) عن عائشة رضي الله عنها. وهما محل الإشكال عندي.

قلت قولك هذا " وجود آيات منسوخة في مصحف أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما " غير محرر، من جهة الدلالة التي تريدها أنت منه ..

والصواب أن تقول – حتى يستقيم لك المعنى الذي تريده – " وجود آيات منسوخة لم تُثبت في مصحف أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما" لأن قولك " وجود آيات منسوخة في مصحف أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما" لا يتجه إلا على ما هو باق مثبت في المصحف من آيات منسوخة، فلا يفهم منه إلا ما نسخ حكمه دون تلاوته، وهذا أنبهك إليه أيضا من باب دقة تحرير وجه الاستدلال، بارك الله فيك ..

وأما الدلالة فيأتي الجواب عليها فيما بعد إن شاء الله.

أما قولك:

فإذا كان القرآن نزل جملة واحدة في بيت العزة، ثم نزل منجما حسب الحوادث على الرسول، ثم نسخت بعض آياته قراءة وحكما أو قراءة فقط، فهذا يعني عندي، أن تلك الآيات المنسوخة، ثابتة فيما أنزل في بيت العزة، إلا إذا قلنا، إن النسخ كلما وقع في القرآن بعد نزوله على الرسول، وقع أيضا فيما أنزل في بيت العزة، وهذا باعتقادي غير صحيح لأن حكمة النسخ في القرآن كما أهل العلم-فيما أعلم-

أولا: مراعاة مصالح العباد.

ثانيا: تطور التشريع إلى مرتبة الكمال ....

ثالثا: ابتلاء المكلف واختباره بالإمتثال وعدمه.

رابعا: إرادة الخير والتيسير للأمة ...... إلخ

كلها تعود إلى مصالح المكلفين عملا أو تركا والمكلفون هم الثقلان (الإنس والجن)

وهذا ما يسفر لي، أن القرآن المنزل في بيت العزة، ثابت على حاله من دون نسخ، إذ هو ليس بيد مكلفين، فالملائكة جبلوا على طاعة الله، فأية فائدة إذن في نسخ ما أنزل ببيت العزة!!!؟

ومن خلال هذا تبين أن ما نسخت تلاوته وحكمه، أو تلاوته فقط، إنما هو منسوخ من القرآن الذي بأيدينا، لا في الذي ببيت العزة.

والخلاصة: كل ما في المصحف الذي بأيدينا من آيات موجودة في الذي أنزل في بيت العزة، وليس كل ما أنزل في بيت العزة من آيات موجودة فيما بأيدينا، وهذا ماستقر عندي ....

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015