الأخيرة وتواتر الإجماع عليه .. فهذا قرءان وذاك قرءان، وكلاهما كلام الله تعالى، وكلاهما تلاه الناس وتعبدوا به، إلا أن الأول نسخت تلاوته فرفعت عنه أحكام النص القرءاني بعدما تحققت الحكمة والغاية من تنزيله واقتضت الحكمة الإلهية نسخ تلاوته، بينما بقي الثاني واستقر! فلا ترتفع عنه صفة أنه من كلام الله ولا يلزم من نسخه أن يرتفع عنه التشريف والتكريم! وهذا أقوله إعمالا للعموم والأصل الذي لا دليل على تخصيصه أو التفريق فيه بين قرءان ناسخ وقرءان منسوخ من هذه الحيثية! وأنت – رعاك الله - إنما جاءك الإشكال من تصورك أن ما في اللوح المحفوظ يجب أن يكون مصحفا على هيئة مصاحفنا، مرتبا على ما عليه ترتيب المصحف عندنا، وهذا تصور عقلي عندك لا يقوم على دليل من نص أو أثر! فنحن لا نعلم أصلا ما هيئة اللوح المحفوظ ولا ما كيفية كتابة القرءان فيه!
ومن هنا فقد يكون النص المنسوخ موجودا فيما نزل إلى بيت العزة ..
بل أزيدك أن العلماء قرروا أن من حِكم هذا التنزيل المجمل إلى بيت العزة، تعظيم أمر القرءان عند أهل الملأ الأعلى والملائكة في السماء الدنيا، حيث يرون النصوص التي نزلها الله فيه تمضي بأمره منجمة في وقتها، كل منها في سبب نزولها في حينه المعلوم، فمما يزيد هذه الحكمة تحققا أن يقال أن ما كان مقضيا من نصوص القرءان أن تنسخ تلاوته، كانت الملائكة تعرف كذلك مما يرونه في اللوح المحفوظ ومما يرونه في بيت العزة أنه سينسخ، فلا يزيدهم ذلك إلا تعظيما لأمر الله تعالى ولأمر القرءان، ناسخه ومنسوخه سواء، والله تعالى يقول ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)) فالتفاضل في الخيرية فضلا عن التساوي في المنزلة ((أو مثلها)) لا يجعل المنسوخ في منزلة دون الناسخ بحال من الأحوال كما تقدم بيانه في الجزئية السابقة، فالكل كلام الله جل وعلا والكل في المنزلة العليا والمكان الأسمى والأرفع، والكل تحققت الغاية من تنزيله على العباد في وقته وحينه، ولكن بعضه كان من تمام حكمة المولى جل وعلا أن ينسخ فلا يتعبد الناس به بعد.
ومن هنا فلا إشكال نقلا ولا عقلا في إمكان أن يكون النص المنوسخ من جملة ما أنزل على بيت العزة لجملة الحكم التي أرادها الله من ذلك، والتي هو سبحانه أعلم بها ..
غير أنه قد يقال من جهة أخرى بالتفريق بين ما في بيت العزة وما في اللوح المحفوظ، فما في اللوح المحفوظ فيه الناسخ والمنسوخ وكل ما أوحى به جبريل إلى النبي عليهما السلام على أنه قرءان، لقوله تعالى: ((يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)) أما ما في بيت العزة فلم ينزل إلا بما في العرضة الأخيرة التي بين أيدينا الآن .. وهذا القول وإن كان لا دليل عليه – كما أنه لا دليل على سابقه سواءا بسواء ولا سلف به - إلا أن العقل لا يمنعه تماما كما لا يمنع سابقه! فقد علمت أن العلماء اختلفوا في مقدار ما نزل من القرءان في بيت العزة، وقول الجماهير من العلماء على قول ابن عباس بأنه نزل بجملته يحتمل أن يكون المنسوخ مشتملا عليه في تلك الجملة المعنية ويحتمل ألا يكون داخلا فيها، ولا نعلم دليلا على هذا!
فخلاصة الكلام أن قولك: " كل ما في المصحف الذي بأيدينا من آيات موجودة في الذي أنزل في بيت العزة، وليس كل ما أنزل في بيت العزة من آيات موجودة فيما بأيدينا، وهذا ما استقر عندي" هذا رجم بالغيب وقول لا نملك دليلا عليه ولا على غيره، ولا ثمرة من الخوض فيه إلا التعرض لقفو ما ليس لنا به علم، فدع عنك هذا، بارك الله فيك، واشتغل بما ينفعك،
أقول ما قرأتَ وأستغفر الله لي ولك، فما أصبت فيما كتبت فمن فضل ربي وما أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، أسأل الله العفو والمغفرة ..
والحمد لله رب العالمين.
ـ[مجلس المشرفين]ــــــــ[12 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, مساء 06:44]ـ
اتفق المشرفون على إغلاق الموضوع .. ويرجى من الإخوة الأفاضل الكرام إحسان الظن ببعضهم البعض، وحمل الكلام على أحسن المحامل، وفقنا الله وإياكم إلى كل خير.